من الغائلة ، أو ترك الأكل حتّى ضعف عن العبادة والفكر فقد أخسر الميزان ، ومن انهمك في الشهوات فقد طغى في الميزان ، وإنما العدل أن يخلو الوزن والتقدير عن الطغيان والخسران ، وتتعادل كلتا كفّتي الميزان ، وفي ذلك تحصل النجاة عن عالم الاضداد وخلاص النفس عن أسر عفاريت الظلمات وأفاعي الشهوات ، فإنّ التوسّط بين الأطراف بمنزلة الخلوّ عنها .
فهذه هي الفضائل والخيرات المحضة ، وهي سعادة الآخرة ، ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور : بقاء لا فناء له ، وسرور لا غم فيه ، وعلم لا جهل معه ، وغنى لا فقر معه ، وهي النعمة الحقيقية . ولذلك
قال صلّى اللّه عليه وآله « لا عيش إلّا في الآخرة »
وصدر هذا القول منه صلّى اللّه عليه وآله مرّتين : مرّة في الشدة تسلية للنفس ، وذلك في وقت حفر الخندق « 1 » في شدّة الضرّ ، ومرّة أخرى في السرور منعا للنفس من الركون إلى سرور الدنيا وذلك عند إحداق الناس به في حجّة الوداع « 2 » .
و
قال [ رجل ] : « إنّي أسئلك تمام النعمة » فقال صلّى اللّه عليه وآله « 3 » : « وهل تعلّم ما تمام النعمة ؟ » قال : « لا » . قال : « دخول الجنّة » .
وأمّا المنفعة - أعني النعمة التي هي وسيلة إلى ما هو خير حقيقي - فتنقسم إلى الأقرب الأخصّ بالخير ، كفضائل النفس ، وهي كما مرّ : عفة وشجاعة ، وحكمة وعدالة . وإلى ما يليه في القرب ، كفضائل البدن ، وهو الثاني . وإلى ما يلي هذا في القرب ، كالأسباب المطيفة بالبدن من المال والأهل والعشيرة ، وإلى ما يجمع بين
هامش
( 1 ) البخاري : باب ما جاء في الرقاق ، 8 / 109 .
( 2 ) راجع المسند : 3 / 216 وأيضا ما قاله العراقي في تخريج أحاديث الأحياء ( ذيل أحياء العلوم : 1 / 249 ) .
( 3 ) في الترمذي ( كتاب الدعوات ، باب 94 ) : فإنّ من تمام النعمة دخول الجنة والفوز من النار .