واعلم إنّ « النعمة » يعبّر بها عن كلّ خير ومنفعة ولذّة ، سواء كان في الدنيا أو في الآخرة . و « الخير » هو المؤثر المختار بحسب الواقع .
و « المنفعة » ما يكون وسيلة إلى الخير بالذات ، فهي يكون خيرا بالعرض ، و « اللذّة » قد تطلق بمعنى الشهوة ، وهي التي تكون مختصّة بإدراك الحواسّ ، كلذّة البطن ، والفرج ، والمال ، والجاه . وقد تطلق بمعنى إدراك الملائم سواء كان للعقل أو الحسّ . والأوّل لا يكون خيرا ، إلّا انها يمكن أن يكون منفعة ، وذلك إذا كانت على وجه يؤدّي إلى الخير الحقيقي .
وكلّ واحد من هذه المعاني الثلاثة يمكن أن يصدق على بعض أفراد الآخرين فإنّ الشيء يمكن أن يكون خيرا ولذيذا ومنفعة ، كالعلم بمسئلة إلهيّة يؤدّي إلى العلم بمسئلة أخرى منها ، فإنّ العلوم الإلهيّة كلّها خير ، لأنّه كمال عقليّ باق دائما ، وكلّ موجود باق دائما فهو خير ، وهو أيضا وسيلة إلى خير آخر فيكون منفعة ، وهو في نفسه لذيذ عند العالم به ، وإن لم يكن لذيذا عند فاقد القوّة التي بها تدرك المعارف الإلهيّة . واللّه سبحانه أحبّ الأشياء عند العرفاء الأحباء ، وهم أيضا أحبّ الأشياء عنده ، كما يدل عليه قوله
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ 5 / 54 ] . وهو أبغض الأشياء عند المبعدين المنكرين وبالعكس ، كما في
قوله صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقائه . ومن أنكر لقاء اللّه أنكر اللّه لقائه » .
وحدّ القوم « النعمة » بأنّها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، أمّا كونها منفعة فلأنّ المضرّة المحضة لا يجوز أن يعدّ نعمة ، وأمّا التقييد بكونها مفعولة على جهة الإحسان : فلأنّه لو كان نفعا ولكن لم يقصد الفاعل نفعه - بل ضرّه - لم يكن نعمة عليه ، كمن أحسن إلى أحد وأراد به اختداعه أو استدراجه إلى ضرر .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ جميع ما خلقه اللّه لعباده فهي نعمة منه ، لأنّها لا يخلو عن أمرين : إمّا خير ، وإمّا منفعة - أي : وسيلة إلى ما هو الخير بالذات . أمّا الخير
هامش
( 1 ) الجامع الصغير ( 2 / 160 ) : « . . . ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقائه » .