واعلم إن اللّه سبحانه بيّن حال طائفتين من طوائف الناس بحسب العاقبة ، لكون كلّ منهما في طرف التضادّ من الآخر . إحداهما الكاملون في السعادة ، والأخرى الكاملون في الشقاوة ، ولم يبيّن حال الأوساط إمّا لأنّ حالهم يستفاد من أحوال هاتين الطائفتين بوجه ، وإمّا لان المقام لا يقتضي تفصيل مراتب الناس بحسب العاقبة ، لأنّ الكلام مسوق هاهنا في أحوال مبادي نشأة الإنسان ، وأوائل فطرته ، وإنّما انجرّ إلى ذكر نبذ من أحوال النهاية تبعا وإجمالا . والتفصيل فيها موكول إلى مواضع أخرى من القرآن ، مثل قوله تعالى :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[ 9 / 106 ] وكقوله :
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ 9 / 102 ] .
والحقّ إنّ الموجب للعذاب الدائم ضرب من الكفر ، وهو الذي يكون مع أهل النفاق المكذّبين المعاندين ، حيث يتركّب فيهم الجهل مع الاستكبار والرسوخ فيه .
وأمّا الكفر بمعنى الصفة العدميّة هي عدم الايمان باللّه ورسوله بواسطة قصور النفس عن درجة هذا الكمال ، وانحطاطها عن اكتساب هذا النور ، فلا يوجب ذلك الّا دوام الكون في النار ، وعذاب أدنى من عذاب أهل الشرك والظلم - نعوذ باللّه .
* * * وهاهنا آخر الآيات الدالّة على أحوال مبادئ نعم اللّه على الإنسان وكيفيّة تكوّنه أوّلا في عالم القدس والانس ونزوله ثانيا من أعلى المراتب إلى أدنى المنازل ليستعدّ بذلك النزول للبلوغ إلى السعادة القصوى ، والمملكة العظمى في النهاية .
ويستفاد منه الدلالة على التوحيد والنبوّة والمعاد :
أمّا التوحيد فمن حيث إنّ المبدع المنشئ له في أكمل النشأة وأحسن التقويم ، والمردّد له في محالّ الجبروت ومنازل الملكوت والمقلّب له في أطوار