فصل
اعلم أنّ الآية تدلّ على أمور :
الأوّل : التنبيه على جليل عناية اللّه وعظيم رحمته في حقّ آدم وذريته . إذ كأنّه يقول : « إنّي وإن أهبطتكم إلى الأرض ، وأوقعتكم إلى الدنيا من المنازل العالية فقد عظمت عليكم الرحمة ، وأنعمت عليكم بما يؤدّيكم مرة أخرى إلى الجنّة على وجه أتمّ وأدوم زمانا وأكثر عددا ، لأنّ آدم وحوّاء لو لم يهبطا إلى الأرض ، وبقيا في الجنّة ابتداء من غير ابتلاء ، لكان كثير غير محصور من الكمالات والخيرات فيهما في حدّ القوّة ، من غير أن يخرج إلى الفعل - مع إمكان الخروج - ولم يدخل معها في الجنّة أعداد من غير أن يخرج إلى الفعل - مع إمكان الخروج - ولم يدخل معها في الجنّة أعداد نفوس غير محصورة من أولادهما ، فعلم أن خروجهما من الجنّة متضمّن لخيرات كثيرة ونعم جليلة لهما ولذرياتهما .
الثاني : إنّه تعالى بيّن أنّ من اتّبع هداه بحقّه علما وعملا - بالإقدام على ما يلزم ، والإحجام عمّا يحرم - فإنّه يبلغ إلى منزلة لا يعتريه فيها خوف عن المآل ، ولا حزن في الحال . وهذا متضمّن لجميع ما أعدّ اللّه لأوليائه ، لأنّ زوال الخوف يتضمّن السلامة من جميع الآفات ، وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كلّ اللذات والمرادات .
لا يقال : هذا يستلزم أن يتساوي جميع أهل الهداية في السعادات ولا يتفاوت فيها بين الأنبياء والأمم .
لأنّا نقول : كلّ واحد من أهل السعادة ينال جميع ما يستلذّه ، ويسلم من جميع ما يستكرهه ، وهم مع ذلك متفاوتون في السعادات ، لتفاوتهم في الشهوات وتفاوت ادراكاتهم للخيرات ، وكلّ ينال بقدر قوّة وجوده وعلمه سعادة يليق بحاله وكماله . « 1 » الثالث : الآية تدلّ على أنّ المؤمن المتبّع للهدى ، المعرض عن آفة الهوى
هامش
( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي : 1 / 477 .