المقتضية لأصل ذاتها ووجودها ، وإلّا لما انفكّ منها واحد من أفراد الناس . نعم هي تفضّلات وإحسانات من قبل اللّه إلينا ، بعد وجود المبادي والأسباب 55 الذاتيّة ، وإن كان الكلّ من فضله وجوده ، وهي نافلة لوجوده ، لكنّ الكلام 56 بعد تحقّق العلل الضروريّة وإن كانت الاتفاقيّات أيضا منجرّة إلى أمور ضروريّة ، لكونها مستندة إلى ما في علم اللّه وعالم قضائه الحتمي .
ولكن السبب الذاتي لشيء قد يكون غريبا لشيء آخر ، وكذا الشيء قد يكون بالنسبة [ إلى ] أسبابه القريبة اتّفاقيا ، وبالقياس إلى البعيدة لزوميّا - كما مرّ في مسألة اختيار العبد - وإذا كان الأمر غير ضروريّ حسن الإتيان به بلفظ دالّ على الإمكان والشكّ ، فإنّ الشكّ في التصور بإزاء الإمكان في الوجود .
ومن هذا يعلم أن لا يقين في الحوادث والمتغيّرات إلّا من جهة العلم بأسبابها الذاتيّة الضروريّة ، ولهذا قالت الحكماء : « العلم بذي السبب لا يحصل [ إلّا ] من جهة العلم بسببه » .
وقال صاحب الكشّاف في وجه المجيء بكلمة الشكّ « 1 » : « إنّه للإيذان بأنّ الايمان باللّه والتوحيد لا يشترط فيه بعثه الرسل وإنزال الكتب ، وإنّه إن لم يبعث رسولا ولم ينزل كتابا كان الايمان به وتوحيده واجبا بما ركّب فيهم من العقول ، ونصب لهم من الأدلّة ، ومكّنهم من النظر والاستدلال » .
أقول : ما ذكره يوجب تخصيص الهدى والإرسال والإنزال ، وهو تخصيص بغير دليل ، لأنّ المراد منه كما ذكره بعضهم كلّ دلالة وبيان ، فيدخل فيه غرائز العقول وقيام الأدلّة ، والقدرة على النظر والاستدلال ، وكلّ كلام نزل على كلّ نبي .
هامش
( 1 ) الكشاف : في تفسير الآية : 1 / 212 .