فصل [ سرّ الإتيان هنا بحرف الشكّ ]
« إن » للشرط ، و « ما » مزيدة اكّدت بها إن ، ولهذا حسن تأكيد الفعل بالنون وإن لم يكن فيه معنى الطلب ، وجواب الشرط الأوّل الشرط الثاني مع جوابه ، كقولك : « إن جئتني ، فإن قدرت أحسنت إليك » والمعنى : « إن يأتينّكم منّي هدى بإنزال أو إرسال فمن تبعه منكم نجى من قيد الدنيا وعذاب الآخرة في الجحيم ، وفاز بالجنّة والنعيم ، ومن كفر وكذّب بالهدى والآيات فهو من أهل النار والعذاب الدائم » فقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا
- إلى آخره - عطف على الجملة السابقة قسيم لها ، فالمجموع بمنزلة قضيّة شرطيّة متّصلة ، تاليها بمنزلة منفصلة مانعة الجمع مركّبة من شرطيّتين متّصلتين .
* * * وإنّما وقع الكلام بحرف الشكّ والتردّد ، والحال إنّ إتيان الهدى إلى كافّة الناس كائن لا محالة ، لأن ذلك أمر غير واجب - لا لما ذهبت إليه الأشاعرة من نفي الوجوب والإيجاب العقليّين - بل لدقيقة علميّة هي إنّ أسباب الأكوان وغاياتها بعضها علل ذاتيّة ، وبعضها علل غير ذاتية لتلك الأكوان ، ويقال للقسم الثاني : « العلل الاتّفاقية » فكلّما لزمت من الصفات والأفعال للأنواع في أوائل طبيعتها الأصلية وبحسب كمالها الأوّل فهي ناشية من الأسباب الذاتيّة ، وكلّ ما لحقتها في فطرتها الثانية وبحسب كمالها الثاني ، فهي من الأسباب الاتّفاقية كاستعداد مادّة ، أو مصادفة حالة غريبة ، أو معاونة أمر مبائن .
إذا تقرّر هذا فنقول : إن الإنزال والإرسال ، والترغيب والترهيب ، والوعد والوعيد ، كلّها أمور غريبة طارية على أفراد الإنسان ، ليست ناشئة من عللها الذاتيّة