هبطت إليك من المحلّ الأرفع * ورقاء ذات تعزز وتمنّع
محجوبة عن كلّ مقلة عارف * وهي التي سفرت « 1 » ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربّما * كرهت فراقك وهي ذات تفجّع
أنفت وما سكنت فلمّا واصلت * كرهت مفارقة الخراب البلقع « 2 »
وأظنّها نسيت عهودا بالحمى * ومنازلا بفراقها لم تقنع
و « المحلّ الأرفع » هو العالم الأعلى النوري المجرّد بالكليّة عن ملابسة الأجساد ، وهو أرفع درجة ومكانة من عالم الجنان ، لأنّ الجنّة جسمانيّة وعالم النور المحض مجرّد عقلي .
وقد سبق إن النفس الآدمية كان معدنها الأصلي أوّلا عالم العلم الإلهى والقضاء الربّاني حيث كان مقدّرا في علمه تعالى انّه جاعل في الأرض خليفة ، والعلم بالشيء هو نحو من وجود ذلك الشيء ، ثمّ نشأت بقدرته تعالى في عالم الأرواح العقلية حينما صارت منفوخا فيها روح اللّه 53 ، ومسجودا لملائكته ثمّ سكنت بأمر اللّه في الجنّة وتناولت من ثمارها وأشجارها ثمّ هبطت بعد ذلك إلى القالب ، وبالقالب إلى هذا العالم . 54 و « الورقاء » حمامة خضراء يشبه لونه لون السماء . شبّه النفس الإنسانية بالورقاء لكثرة استيناسه بصورة الإنسان وشدّة ميله بالعود إلى المحلّ المعتاد الذي يتحقّق به المعاد ، وأصل التشبيه لها بالطير مطلقا لصفة تجرّدها عن البدن ، وهو بمنزلة القفص للطير ، المشابهة لصفة الطيران . وإنّما شبّهت بالطائر الأخضر إشعارا بأنّها من عالم السماء
وقد ورد في الحديث « 3 » : « إنّ الأرواح بعد البدن تكون في قوالب طيور خضر »
و
ورد - أيضا في الحديث « 4 » : « إنّها في قناديل معلّقة تحت العرش » .
هامش
( 1 ) في نسخة المصنف هنا « سترت » وأثبتناها طبقا لما يفسره قريبا وما جاء أيضا في أكثر نسخ القصيدة .
( 2 ) جاء في بعض المواضع : ألفت مجاورة الخراب البلقع .
( 3 ، 4 ) راجع أبي داود : كتاب الجهاد ، باب في فضل الشهادة : 3 / 15 ، وراجع أيضا ما جاء في الكافي : كتاب الجنائز ، باب آخر في أرواح المؤمنين : 3 / 244 .