أقول : الوجوب بالمعنى الذي ذكرناه قطعي لا ريب فيه .
فإن قلت « 1 » : ما معنى لوجوب قبول التوبة ؟ أفتقول كما قاله المعتزلة بأنّ كذا واجب على اللّه ؟
قلنا : إنّا لا نعنى به ولا نريد إلّا ما يريده القائل بقوله : « [ إنّ ] الثوب إذا غسل بالصابون وجب زوال الوسخ . وإنّ العطشان إذا شرب وجب زوال العطش ، وإنّه إذا منع الماء مدة وجب العطش وإذا دام العطش ، وجب الموت » وليس في شيء من ذلك ما يريده المعتزلة ، ولا ما يريده الأشاعرة إذ لا علاقة ولا سببيّة بين الأشياء عندهم . بل نقول خلق اللّه الطاعة مكفّرة للمعصية ، والحسنة ماحية للسيّئة ، كما خلق الماء مزيلا للعطش ، والقدرة متّسعة لخلاف ذلك ، ولكن ما سبقت المشيّة إلّا بذلك ، فلا واجب على اللّه ، لكن كل ما سبقت به إرادته الأزليّة فواجب كونه لا محالة .
فإن قلت : ما من تائب إلّا وهو شاكّ في قبول توبته ، والشارب لا يشكّ في زوال عطشه ؟
قلنا : شكّه في القبول كشكّه في وجوب شرائط الصحّة ، فإنّ للتوبة أركانا وشروطا دقيقة ، وليس يتحقّق وجود جميع شروطها ، كالذي يشكّ في دواء شربه للاسهال في أنه هل يسهّل ، وذلك لشكّه في حصول شروط الإسهال في الدواء باعتبار الحال والوقت وكيفيّة خلط الدواء وطبخه ، وجودة عقاقيره وأدويته ، فهذا وأمثاله موجب للخوف بعد التوبة وللشكّ في قبولها .
هذا ما قاله بعض أكابر الكشف والتحقيق .
وأما ما قاله أبو علي الطبرسي في تفسيره المسمّى بمجمع البيان « 2 » عند قوله تعالى :
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
[ 40 / 7 ] : « إنّ في هذه الآية دلالة
هامش
( 1 ) راجع احياء علوم الدين : 4 / 15 .
( 2 ) مجمع البيان : 8 / 515 .