هو شأن علماء الآخرة المتدبّرين في آيات اللّه ، الناظرين في ملكوت السماوات والأرض .
المقام الرابع
إنّه وإن لم يقبح من اللّه ورسوله التكليف به لكنّه ما أمر به ( أمرا - ن ) والدليل عليه إنّ العلم بالأدلة والبراهين المؤديّة إلى هذه المقاصد إن كان ضروريّا غنيّا عن التعلّم لوجب أن يحصل لجميع الناس - وتجويز ذلك مكابرة - وإن لم يكن كذلك بل احتاج إلى تدبّر واستفادة من الكتب ، واستعانة من الأستاذين فذلك لا يحصل إلا في السنين المتطاولة بعد الممارسة الشديدة والمباحثة الكثيرة ، فلو كان الدين مبنيّا عليه لوجب أن لا يحكم الرسول صلّى اللّه عليه وآله بصحّة اسلام الرجل إلّا بعد أن يسأله عن هذه المسائل ويجرّبه في معرفة الدلائل ؛ ولو فعل ذلك لاشتهر - لتوفّر الدواعي على نقل مثله - فلما لم يشتهر - بل المشهور المنقول عنه بالتواتر إنّه كان يحكم بإسلام من يعلم من حاله إنه لا يخطر بباله شيء من ذلك - فعلمنا إنّ ذلك غير معتبر في صحّة الدين .
والجواب : إن الإسلام - وهو الإقرار اللساني بالشهادتين - غير الايمان - وهو العلم بأصول الدين - وهذا يوجب النجاة عن عذاب اللّه دون الأول ، والنبي صلّى اللّه عليه وآله ما حكم بإيمان من لم يعرف ذلك بالحقيقة ، بل حكم بإسلامه الموجب لحقن دمه وماله ، وبإسلام من خالف لسانه قلبه أيضا كالمنافقين ، أو ما سمعت
إنه لما قال حارثة الأنصاري : « أصبحت مؤمنا حقّا » في جواب قوله صلّى اللّه عليه وآله « كيف أصبحت ؟ » « 1 » قال صلّى اللّه عليه وآله : « لكلّ حقّ حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ » ولمّا عرض عليه حقيقة إيمانه بما دلّ على عرفانه قال : « أصبت فالزم »
فلم يحكم على إيمانه بالحقيقة ما لم يتفتّش ( لم يفتش - ن ) عن عرفانه ، أو لا ترى إن القرآن مشحون بالأمر بالنظر والتدبّر والاعتبار والتفكر ؟
هامش
( 1 ) جاء ما يقرب منه في الكافي : باب حقيقة الايمان : 2 / 54 .