والفطن يعلم إنّه لو صدق لاشتغل بعض الاشتغال بسائر فروض الكفايات التي كانت أهمّ من ذلك ، ولم يفت عنه كثير من فروض الأعيان ، فهل لهذا سبب إلّا أنّ غير ما هو بصدده ليس يتيسّر التوصّل به إلى تولّى الأوقاف والوصايا ، وحيازة مال الأيتام ، وتقلّد القضاء والحكومة ، والتقدّم به على الأقران ، والتسلّط به على الأعداء ؟ ! هيهات قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوء فنعوذ باللّه من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ، ويضحك الشيطان » ثمّ قال : « كان جمع من علماء الظاهر مقرّين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب ، وكان الشافعي يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب ، ويسأله « كيف يفعل في كذا وكذا » فيقال له : « مثلك يسأل هذا البدوي ؟ ! » فيقول :
« هذا وفق لما علمناه « 1 » » وكان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يختلفان إلى معروف الكرخي ولم يكن في علم الظاهر بمنزلتهما فكانا يسألانه « كيف نفعل ؟ » .
انتهى ملخّص ما ذكره في هذا المقام تأييدا لما نحن بصدده من تحقيق المرام وإزالة الشكوك والأوهام عن ضمير الطلبة ممّن سلمت فطرته من اللجاج والتعنّد والتعصّب للأقوام دون المطرودين من باب دار السلام ومن حقّ القول عليهم من اللّه ذي الجلال والإكرام .
الإشراق الثالث : في دفع شبه الخصوم واعتراضاتهم على وجوب النظر ولهم في ذلك مقامات :
الأول :
إن النظر لا يفيد العلم ؛ واستدلّوا عليه بوجوه :
أحدها إنّا وجدنا العلماء قد تفكّروا واجتهدوا فحصّلوا عقيب أنظارهم علوما جزموا بها ، ثمّ ظهر لهم ولغيرهم إنها كانت أغلاطا باطلة ؛ فعلي هذا لا يمكن الجزم
هامش
( 1 ) في الأحياء : « هذا وفق لما أغفلناه » .