تكلّم بالإسلام معتذرا بأنّه « كان ذلك من الخوف » بل يحكم الفقيه بصحّة إسلام مثله ، ولذلك
قال صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلّا اللّه ؛ فإذا قالوها فقد عصموا منّي دمائهم وأموالهم »
وجعل صلّى اللّه عليه وآله أثر ذلك في الدم والمال ، وأمّا الآخرة فلا تنفع فيها الأقوال ، بل أنوار القلوب وأسرارها ، وليس ذلك من فنّ الفقيه ، وإن خاض فيه كان كما لو خاض في علم خارج عن فنّه كالطبّ والكلام .
وأمّا الصلاة : فالفقيه يفتي بالصحّة إذا أتى بصورة الأعمال وظاهر الشروط وإن كان غافلا من أولها إلى آخرها ، مشغولا بالفكر في حساب معاملاته في السوق إلا عند التكبير - وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة .
وأما الزكاة : فالفقيه ينظر إلى ما يقطع مطالبة السلطان ، حتى أنه إن امتنع فأخذ السلطان منه فهو حكم بأنّه برئت ذمته .
وحكي إن أبا يوسف « 2 » كان يهب ماله لزوجته في آخر الحول ، ويستوهب مالها لإسقاط الزكاة ، فذلك من فقهه ( متفقه - منفعته - ن ) في الدنيا ، ولكن مضرّته في الآخرة أعظم من كلّ خيانة ، ومثل هذا العلم هو الضارّ .
وأما الحلال والحرام : فالورع عن الحرام من الدين ، وله مراتب ؛ أدناها هو الاحتراز عن الحرام الظاهر الذي يشترط في عدالة الشهود .
الثانية ورع الصالحين ، وهو التوقّي من الشبهات ؛
قال صلّى اللّه عليه وآله « 3 » : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك »
وقال : « الإثمّ خوان القلوب » « 4 » .
هامش
( 1 ) الجامع الصغير : 1 / 24 .
( 2 ) يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي ، كان تلميذ أبي حنيفة . وقيل : انه أول من لقّب بقاضى القضاة ، وتوفى : 182 ه .
( 3 ) المسند : 1 / 200 . الجامع الصغير : 2 / 15 .
( 4 ) كذا في النسخ والظاهر أنه محرف .
وفي الأحياء : « الاثمّ حزاز القلوب »
وقال الزمخشري في الفائق ( 1 / 279 ) : ابن مسعود رضي اللّه عنه : « الإثم حزاز القلوب » هي التي تحز في القلوب ، أي : تحك وتؤثر وتخالج فيها أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها .
ورواه بعضهم : « حواز القلوب » أي : يحوز القلوب ويغلب عليها ويجعلها في ملكته انتهى .