الخامس : الذين نازعوا في الحشر والنشر واللّه تعالى أورد على صحّة ذلك وعلى إبطال قول المنكرين أنواعا كثيرة من الدّلائل .
السادس : الذين طعنوا في التكليف تارة بأنّه لا فائدة فيه فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
[ 17 / 7 ] وتارة بأنّ الحقّ هو الجبر وإنّه ينافي صحّة التكليف وأجاب اللّه تعالى عنه بأنّه
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
[ 21 / 23 ] .
فثبت ان هذه الحرفة هي حرفة كلّ الأنبياء والرسل عليهم السلام ، وعلم أن الطاعن فيها إما كافر أو جاهل .
وكذلك أمر اللّه أمة نبيّنا بإيضاح الحجّة ونهاهم عن التقليد وذمّهم عليه فقال لكافّة المؤمنين
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ 29 / 46 ] فأمره سبحانه وأمّته بإيضاح طريق الحقّ بالجدال وكشف بطلان أهل الضلال والفصل بين الحقّ والباطل بالعلم ، ونهى عن التقليد وذمّ أهله ، وأمرهم بالمسير إلى النظر والمعرفة في قوله
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا
[ 7 / 185 ]
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا
[ 30 / 8 ] وأمرهم بالمسافرة لطلب العلم واليقين وخوّفهم بالزجر عن اتّباع أسلافهم الماضين والقول في دينه بغير دليل فقال جلّ جلاله
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
[ 31 / 21 ] وقال أيضا في إخباره عن أمثال هؤلاء وردّهم ما أتي به النبيّون بقولهم
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
[ 43 / 23 ] فعيّرهم اللّه ووبّخهم به وجعله من أعظم ذنوبهم .
فثبت بذلك إن المعرفة الإلهية أجلّ أنواع العلوم وأعلاها كلّها درجة وأعظمها ، ولأنّ معرفة اللّه أصل الدين الذي يتّحد طريقه ، ويؤمن سالكه ، ويكفر تاركه ، ولا يعذر من أخطأ في اجتهاده وعدل عنه .