تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
فالإنسان الكامل حيث ابتدأ وجوده من أدنى الأشياء - من تراب ومن ماء مهين - وقد أنشأه اللّه لأن ينتهي إلى أعلى المقامات فلا بدّ من مروره على سائر الدرجات عند أداء الأمانات . وغاية كلّ شيء لا يظهر إلّا عند بلوغ ذلك الشيء إلى تلك الغاية ؛ فغاية كلّ [ شيء ] غيب ذلك الشيء ، وقد ثبت إن الإنسان الكامل غاية ما في الأرض والسماء بحسب الأجناس [ و ] الدرجات فهو اذن غيب السماوات والأرض ، واللّه عالم به قبل خلقه وبلوغه إلى مقام قرب أو أدنى . وأمّا قوله :
وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
147 فيحتمل أن يكون إشارة إلى حقيقة الإنسان ، فإنّه صورة علم اللّه ، وهو كتاب جامع ، ونسخة مجموعة لظاهر الملك وباطن الملكوت ، والملائكة المدبّرة أرواح العالم ومكنوناته ، وظواهرهم أجرام العالم وشهاداته . قال بعض الفضلاء العارفين : « 1 » « إنّ الحقّ يتجلّى بحكم
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
[ 55 / 29 ] كلّ لحظة لعباده ، فينزل الأمر الإلهي من الحضرة الأحديّة ، ثمّ الواحديّة إلى المراتب العقليّة الروحيّة ، ثمّ اللوحيّة ، ثمّ الطبيعيّة الكلّية ثمّ الهيولي الجسميّة ، ثمّ العرش ، ثمّ الكرسي والسماوات منحدرا من المراتب الكليّة إلى الجزئيّة إلى أن ينتهى إلى مادّة الإنسان منصبغا بأحكام جميع ما مرّ عليه في آن واحد من غير تخلّل زمان كذلك إذا انتهى إليه وانصبغ بالأحكام الغالبة عليه ينسلخ منه انسلاخا معنويّا ، ويرجع إلى الحضرة الإلهية . فإن كان المنتهى إليه من الكمّل فالنازل يكون قد أتمّ دائرته وصارت آخريّته عين أوليّته ، لأنّه مظهر المرتبة الجامعة الإلهيّة . وإن كان من السائرين الذين قطعوا بعض المنازل والمقامات أو الباقين في أسفل السافلين والظلمات فيكون قطع نصف الدائرة
هامش
( 1 ) شرح فصوص الحكم للقيصرى : الفصّ الآدمي : 65 ، بفروق يسيرة .