وروح تلك الصورة ، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة المسوّاة التي هي صورة العالم ، المعبّر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير ، وكانت الملائكة له كالقوى الروحانيّة والحسيّة التي في النشأة الإنسانيّة .
وكلّ قوّة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها ، وإنّ فيها - فيما تزعم - الأهليّة لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند اللّه ، لما عندها من الجمعيّة الإلهيّة بين ما يرجع من ذلك إلى الجانب الإلهي ، وإلى جانب حقيقة الحقائق ، وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه طبيعة الكلّ « 1 » التي حصرت قوابل العالم كلّه - أعلاه وأسفله .
قال « 2 » : « فأمّا إنسانيّته - فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلّها ، وهو للحقّ بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر ، وهو المعبّر عنه بالبصر ، فلهذا سمّي إنسانا فإنّه به نظر الحقّ إلى خلقه فرحمهم ، فهو الإنسان الحادث الأزلي ، والنشء الدائم الأبدي ، والكلمة الفاصلة الجامعة ، فتمّ العالم بوجوده ، فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم الذي هو محل النقش والعلامة التي بها يختم الملك على خزائنه .
وسمّاه خليفة من أجل هذا ، لأنّه تعالى الحافظ « 3 » خلقه ، كما يحفظ الختم الخزائن . فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلّا باذنه ، فاستخلفه في حفظ العالم ، فلا يزال العالم محفوضا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ، ألا تراه إذا زال وفكّ من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحقّ فيها وخرج ما كان فيها ، والتحق بعضه ببعضه ، فانتقل الأمر إلى الآخرة ، فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديّا .
فظهر جميع ما في الصورة الإلهيّة من الأسماء في هذه النشأة الإنسانيّة ، فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذه الوجود ، وبه قامت الحجّة للّه تعالى على الملائكة » . . .
« فإنّها لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة ، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحقّ
هامش
( 1 ) المصدر : الطبيعة الكلية .
( 2 ) فصوص الحكم : 50 .
( 3 ) المصدر : الحافظ به خلقه .