وقيل : تصدير الكلام به اعتذار عمّا وقع لهم من الاستفسار والجهل بحقيقة الحال ، إشعارا بأنّ سؤالهم لم يكن اعتراضا .
وقد جعلت هذه الكلمة مفتاح التوبة والإنابة ، فقال موسى - صلوات اللّه على نبيّنا وآله وعليه - :
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
[ 7 / 143 ] وقال يونس عليه السّلام :
سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
صلّى اللّه عليه وآله [ 21 / 87 ] وكذا في قوله تعالى تعليما لعباده :
ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
[ 24 / 16 ] .
وفي هذه الآية دلالة على أنّ العلم وسائر الكمالات فائضة من اللّه وهو المعطي لها ؟ سواء كان على طريقة الإبداع - كما في أكثر علوم الملائكة - أو على طريقة التكوين بحسب القوابل والأوقات - كما في أكثر علوم الناس .
وقوله :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
إشعار بأن معطي الكمال الذي لا يوجب تكثّرا ولا تغيّرا أولى بذلك الكمال ، وكذلك العلم والحكمة ، فإنّ كلّا منهما صفة كماليّة لمطلق الوجود ، ولا يقتضى عروضه للشيء تجسّما ولا تكثّرا ولا تخصصّا بأمر جزئي أو انفعال مادي ، فإذا وجد شيء منهما في المخلوق والمبدع فوجوده في الخالق المبدع أولى وأليق وأشدّ وأوثق .
فهو العليم الذي لا يخفى عليه خافية ، والحكيم الذي يفعل كلّ شيء لحكمة وغاية ، لا بمجرّد إرادة جزافيّة لا غاية لها ، ولا مراعاة فيها للأحكم الأتقن - كما زعمه أكثر المتكلّمين - كيف ! وجميع الخيرات فائضة من لدنه 138 ، وكلّ الأشياء متوجّهة إليه ، مائلة إلى ما عنده ، نائلة من بحار جوده وكرمه فما أضلّت أقواما زعموا إنّ إرادته خالية عن الداعي ، عارية عن العناية بأحوال الخلق ؟ ! نعم - لا داعي لفعله خارجا عنه ، ولا مرجّح لجوده سواه ، لأنه خير الخيرات وأصل الدواعي 139 والطلبات .
ثمّ اعلم إنّ « العليم » صيغة مبالغة في العلم ، والمبالغة التامّة فيه لا يتحقّق إلّا