- رضي اللّه عنهم - ليتّضح لكلّ ساع بقدر رزقه - لا بقدر جهده - لكن لاغناء فيه عن الاجتهاد ، فالمجاهدة مفتاح الهداية .
وأما العلوم التي لا يحمد منه إلّا مقدار مخصوص فهي التي أوردت في فروض الكفايات ، فكن أحد رجلين : إما مشغولا بنفسك ، وإمّا متفرغا إلى غيرك بعد الفراغ من نفسك وايّاك أن تشتغل بما تصلح به غيرك قبل إصلاح نفسك ، فإن كنت المشغول بنفسك فلا تشتغل إلّا بالعلم الذي هو فرض عينك .
وإنّما الأهمّ الذي أهمله الكلّ علم صفات القلب وما يحمد منها وما يذمّ والاشتغال بمداواته ، وإهمال ذلك مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة يضاهي الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذّي بالجرب والدماميل ، والتهاون بإخراج المادّة بالفصد والإسهال ، وحشويّة العلماء يشيرون بالأعمال الظاهرة ، كما يشير الطرقيّة من الأطبّاء بطلاء ظاهر البدن ، وعلماء الآخرة لا يشيرون إلّا بتطهير الباطن وقطع موادّ الشر بإفساد منابتها وقطع مغارسها ، وهي في القلب .
وإنّما فرغ الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة عن تطهير القلوب لسهولة أعمال الجوارح واستصعاب أعمال القلوب ؛ فإن كنت مريدا للآخرة وطالبا للنجاة فاشتغل بعلم العلل الباطنة وعلاجها ، ثمّ ينجرّ بك إلى المقامات المحمودة ، فلا تشتغل بالفروض الكفايات - لا سيّما وفي الخلق من قام به - فإنّ مهلك نفسه في طلب صلاح غيره سفيه ، فما أشدّ حماقة من دخلت الأفاعي والعقارب داخل ثيابه وهمّت بقتله وهو يطلب مذبّة يدفع بها الذباب عن غيره ممّن لا يغنيه ولا ينجيه بما يلاقيه من تلك الأفاعي والحيّات والعقارب إذ هممن بقتله ؟ ! » - واللّه وليّ التوفيق .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 355
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٥٥