و
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « 1 » « لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتّى يمقت الناس في ذات اللّه وحتّى يرى للقرآن وجوها كثيرة » .
وسئل « 2 » الحسن البصري عن مسألة فأجاب فقال له السائل : « إنّ الفقهاء يخالفونك » فقال الحسن : « ثكلتك امّك - وهل رأيت فقيها بعينك ؟ ! إنّما الفقيه الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، البصير بذنبه ، المداوم [ على ] عبادة ربّه ، الورع الكافّ عن أعراض الناس ، العفيف عن أموالهم ، الناصح لجماعتهم » ولم يقل في جميع ذلك « الحافظ لفروع الفتاوى » .
اللفظ الثاني العلم : وقد كان مطلقا على العلم بالله وبآياته وأفعاله في عباده وخلقه ، وقد تصرّفوا فيه بالتخصيص حتى حوّلوه وشهروه في الأكثر لمن يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل الخلافيّة وغيرها ، فيعدّ من فحول العلماء ، فيقال « هو العالم بالحقيقة وهو الفحل فيه » مع عريه عن العلوم الحقيقيّة كلّها وجهله بحقائق علم القرآن وأسرار الآيات وتأويل الأحاديث ، وصار ذلك شيئا مهلكا لخلق كثير من الطلبة .
اللفظ الثالث التوحيد : وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طرق المجادلة وفنون البحث ، وكيفيّة مناقضات الخصوم ، والقدرة على تكثير الأسئلة وإثارة الشبهات والإلزامات ، حتّى لقّبت طوائف منهم بأهل العدل والتوحيد وعلماء ذلك ، مع انّ جميع ما هو خاصّية هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول بل كان يشتدّ النكير منهم على من يفتح أبواب الجدل والمماراة وكان التوحيد عندهم عبارة عن معنى آخر لا يفهمه أكثر المتكلّمين ، وهو أن يرى الأمور كلّها من اللّه رؤية يقطع التفاته عن الوسائط والأسباب .
هامش
( 1 )
كذا في الأحياء ( 1 / 32 ) وفي كنز العمال ( 10 / 182 ) : « لا يفقه العبد كلّ الفقه حتى يمقت الناس في ذات اللّه ، وحتى لا يكون أحد أمقت من نفسه » .
( 2 ) المصدر : سئل الفرقد السبخي الحسن . . .