فصل في ألفاظ دالّة على العلوم الحقيقية واشتبهت على الناس بغيرها
اعلم إنّه قد التبست العلوم الحقيقيّة المحمودة الشرعيّة بغيرها من جهة تحريف الأسامي المحمودة عن وضعها الأول وتبديلها ونقلها بسبب الأغراض الفاسدة إلى معاني غير ما أراد بها الصدر الأول والسلف الصالح ، وهي خمسة ألفاظ - كما ذكره صاحب احياء العلوم وفصّل القول في كيفيّة تحريفاتها - الفقه والعلم ، والتوحيد والتذكر ، والحكمة - ونحن أيضا نقتفي كلامه « 1 » في هذا الفصل مع اختصار وتلخيص :
فاللفظ الأول الفقه : فقد تصرّفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل ، إذ قد خصّصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوي ، والوقوف على دقائق عللها واستكثار الكلام فيها وحفظ المقالات المتعلّقة بها ؛ فمن كان أشدّ تعمّقا فيها وأكثر اشتغالا بها فهو الأفقه .
وهذا ضرب من التحريف . فلقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفس ومفسدات الأعمال وقوّة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدّة التطلّع إلى نعيم الأبرار واستيلاء الخوف على القلب ، كما يدلّك عليه :
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا
[ 9 / 122 ] .
وما به الإنذار والتخويف هو هذا العلم ، دون تفريعات الطلاق واللعان والعتاق والسلم والإجارة ، فذلك لا يحصل به إنذار وتخويف ، بل التجرّد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه كما يشاهد من المتجرّدين له . وقال تعالى
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
[ 7 / 179 ] وأراد به معاني الآيات - دون الفتاوى - .
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : كتاب العلم ، 1 / 32 .