فصل في العلم المحمود والعلم المذموم
قال صاحب الإحياء « 1 » : « إنّ العلم بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام : قسم مذموم قليله وكثيره ، وقسم محمود كلّه وكلّما كان أكثر فهو أفضل ، وقسم يحمد بقدر الحاجة ولا يحمد الفاضل فيه ؛ والاستقصار فيه ، وهو مثل أحوال البدن : فمنه ما يحمد قليله وكثيره كالصحّة والجمال ، ومنه ما يقابله كالقبح وسوء الخلق ، ومنه ما يحمد الاقتصاد فيه كبذل المال ، فإنّ التبذير فيه لا يحمد ؛ وكالشجاعة ، فإنّ التهوّر لا يحمد فيها وإن كان من جنس الشجاعة .
فكذلك العلم - فالقسم المذموم كلّه ما لا فائدة فيه في دين أو دنيا ، كعلم السحر والطلسمات والنجوم ، فبعضه لا فائدة فيه وصرف العمر فيه إضاعة أنفس ما يملكه الإنسان ، وإضاعة النفائس مذموم .
وأما القسم الممدوح إلى أقصى غاية الاستقصاء هو العلم باللّه وبصفاته وأفعاله وجريان سنّته في خلقه وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا . فإنّ هذا العلم علم مطلوب لذاته ، والتوسّل به إلى سعادة الآخرة وبذل المقدور فيه إلى غاية الجهد قصور عن حدّ الواجب ، فإنّه البحر الذي لا يدرك غوره ، وإنّما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه بقدر ما يسّر لهم ، وما خاض أطرافه إلّا الأنبياء والأولياء الراسخون في العلم - على اختلاف درجاتهم بحسب اختلاف قوّتهم وتفاوت تقدير اللّه في حقّهم .
وهذا هو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب ويعين على التنبّه له التعلّم ومشاهدة أحوال علماء الآخرة في أول الأمر ، وتعين عليه في الآخرة المجاهد [ ة ] والرياضة وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا والتشبّه بأنبياء اللّه عليهم السّلام وأوليائه
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : 1 / 38 .