تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
ثمّ إن هذه القوى وإن اشتركت في هذه المعاني إلّا إنّ مراتبها في الحقيقة مختلفة ، ودرجاتها متفاوتة . فالذي كماله أفضل وأتمّ ، والذي كماله أكثر وأدوم والذي كماله أوصل وأحصل له ، والذي هو في نفسه أكمل فعلا وأفضل والذي هو في نفسه أشدّ إدراكا : فاللذّة والسعادة اللتان له أبلغ وأشدّ وأوفر وآكد . فإذا تقرّر هذا فنقول : وكذلك للإنسان غريزة تسمّى بالنور الإلهي في قوله
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ 39 / 22 ] وتسمّى بالقوّة العاقلة ، والبصيرة الباطنة . وهي تدرك المعاني التي ليست متخيّلة ولا محسوسة ، كادراكه حدوث العالم وافتقاره إلى مدبّر حكيم موصوف بصفات الإلهيّة ، فاعل للحقائق الأسمائيّة ، وخلقت لأن تدرك حقائق الأشياء . وكمالها الخاصّ بها الذي به سعادتها الأصليّة التي هي فوق سعادة قواها وغرائزها الحسيّة والخياليّة والوهميّة - هو أن تصير في ذاتها عالما عقليا موجودا فيه صور الكلّ ، والنظام المعقول في الكلّ ، والخير الفائض في الكلّ ، مبتدأة من مبدأ الكلّ وسالكة إلى الجواهر الشريفة الروحانيّة المطلقّة ، ثمّ النفسانيّة المتعلّقة ، ثمّ الأجسام العلويّة بقواها وهيئاتها ، ثمّ كذلك حتّى يستوفي في نفسها هيئة الوجود كلّه فينقلب عبدا مطيعا للّه ، متقرّبا إليه ، مشاهدا لما هو الحسن المطلق ، والخير المطلق والجمال الحقّ المطلق ، ومتّحدة به ، ومنتقشة بمثاله وهيئته ، ومنخرطة في سلكه وو صائرة [ إليه ] وبذلك فليعمل العاملون ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، ويفتخر المفتخرون ، ويباهي المباهون ، لأنّه إذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى ولمن في طبقتها من الأشخاص وجد هذا بالمرتبة التي يقبح معها أن يقال « إنّه أفضل وأتمّ منها » ؛ بل لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه تماما ، وفضيلة ، وكثرة وسائر ما يتمّ به الذاذ سائر المدركات واسعادها . أمّا الدوام فكيف يقاس دوام الأبدي بدوام المتغيّر الفاسد ؟ وأمّا شدّة الوصول
تفسير القرآن الكريم — صفحة 332 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )