ما هي عليه بحسب القوّة النظريّة . وليس كذلك ؛ ولهذا احتجب أرباب العقول عن الحقّ وصفاته وسرّ المعاد وحشر الأجساد لتقليدهم عقولهم ، وغاية عرفانهم العلم الإجمالي بأنّ لهم موجدا ربّا منزّها عن الصفات الكونيّة ، ولا يعلمون من الحقائق إلّا لوازمها وخواصّها .
وأرباب التحقيق وأهل الطريق علموا ذلك مجملا ، وشاهدوا تجليّاته وظهوراته مفصّلا فاهتدوا بنوره وسروا في الحقائق سريان تجلّيه فيها : وكشفوا عنها وخواصّها ولوازمها كشفا لا يمازجه شبهة ، وعلموا الحقائق علما لا يطرأ عليه ريبة ، فهم عباد الرحمن الذين يمشون في أرض الحقائق هونا ، وأرباب النظر عباد عقولهم لا يقبلون إلّا ما أعطته عقولهم .
وكذا الوهم يدّعي السلطنة ويكذب العقل في كلّ ما هو خارج عن طور إدراكه للمعاني الجزئيّة دون الكلّية ، وكذا غيرهما من المدارك الجزئيّة ، وكذا القوى التحريكيّة - كالشهوة والغضب عند هيجانهما وتغاليهما .
وأمّا القلب المنوّر بنور المحبّة والعشق فهو الذي يدرك بحقيقته كلّ شيء بأمر ربّها لا يرى فيها عوجا ولا أمتا ، وذلك لكون حقيقته متّصفة بجميع الكمالات ، جامعة لحقائقها الموجودة قبل وجوده ، حتّى كان يمرّ عند تنزّلاته عليها فيتّصف بمعانيها طورا بعد طور من أطوار الروحانيّات والسماويّات والعنصريّات . إلى أن يظهر في صورته النوعيّة الحسيّة النازلة عليه من الحضرات الأسمائيّة ما لا بدّ أن يمرّ على هذه الوسائط أيضا ، إلى أن يصل إليه ويكمله .
وذلك المرور لتهيئته استعداده بأطوار الملكات للكمالات اللائقة ولاجتماع ما فصل من المقام الجمعيّ الإلهي من الحقائق والخصائص التفصيليّة الواقعة في مقام التفرقة الكونيّة ، وللاشهاد والاطّلاع على ما أريد أن يكون خليفة عليه ، ولهذا لا يجعل خليفة إلّا عند انتهاء السفر الثالث ، ولولا هذا المرور لما أمكن العروج للكمّل ، إذ الخاتمة مضاهية للسابقة وبه تتمّ الحركة المعنويّة .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 329
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٢٩