فكيف يكون حال ما وصوله بملاقات السطوح بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابلة حتى يكون كأنّه هو بلا انفصال ؟ إذ العقل والعاقل والمعقول شيء واحد كما هو عند التحقيق - أو قريب من الواحد - كما عليه الجمهور .
وأما إن المدرك في نفسه أكمل فأمر لا يخفى . وأما إنّه أشدّ إدراكا فأمر أيضا تعرفه بأدنى تذكّر منك لما مضى بيانه ، فإنّ البصيرة الإنسانيّة أكثر عدد مدركات وأشدّ استقصاء للمدرك ، وأشدّ تجريدا له عن الزوائة الغير الداخلة في معناه إلّا بالعرض ؛ ولها أيضا الخوض في باطن المدرك وظاهره ولبّه وقشره .
بل كيف يقاس هذا الإدراك العلمي بذلك الإدراك الحسّي أو يقاس هذه السعادة العقليّة بتلك اللذّة الحسيّة والبهيمية والغضبيّة ؟
بل لا يخفى إنّ في العلم والمعرفة لذّة لا يكافيها لذّة ، ونحن في عالمنا وبدننا هذين ولانغمارنا في بعض الرذائل لا نحسّ بتلك اللذّة ولا نحنّ إليها ؛ لكنّا لو خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتها عن أعناقنا ، وننفض آثارها عن أذيالنا ، وطالعنا شيئا من تلك اللذّة فحينئذ ربما تخيّلنا خيالا طفيفا ضعيفا - وخصوصا عند انحلال المشكلات وإزالة الشبهات واستيضاح المطلوبات النفيسة - من تلك السعادة التي كلامنا فيه ، ومع ذلك نجد منها لذة نستحقر بها سائر اللذات .
وممّا يوضح إن اللذّات العقليّة والكمالات العلميّة أعظم وأقوى إنّ كلّ قوّة باطنة فبقدر بطونها ألذّ كمالا وأقوى بهجة من كلّ قوّة ظاهريّة ، حتى أنّ العالم بالشطرنج على خسّته لا يطيق السكوت عن التعليم ، وينطلق لسانه بذكر ما يعلمه .
وأنت تعلم إنّك إذا تأمّلت عويصا يهمّك ، وعرضت عليك شهوة وخيّرت بين الظفرين استخففت بالشهوة إن كنت عالي النفس كريم الهمّة - والأنفس العاميّة أيضا فإنّها تترك الشهوات المعترضة وتؤثر الغرامات والآلام القادحة بسبب افتضاح أو خجل أو تعيير أو سوء مقالة ، ولو خيّر الرجل بين لذّة الهريسة والدجاج المسمّنة واللوزينج وبين لذّة الرياسة والحكومة وقهر الأعداء ونيل درجة الاستيلاء فإن كان المخيّر
تفسير القرآن الكريم — صفحة 333
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٣٣