خسيس الهمّة ، ميّت القلب ، شديد البهيميّة اختار الهريسة والحلاوة ؛ وإن كان عالي الهمّة ، كامل العقل اختار الرياسة وهان عليه الجوع والصبر عن ضرورة القوت أيّاما كثيرة .
نعم - الناقص الذي لم يكمل معانية الباطنيّة كالصبي ، أو الذي ماتت قواه الباطنيّة كالمجنون والمعتوه لا يبعد أن يؤثر لذّة المطعومات على لذّة الرياسة والكرامة وبهذا يتبيّن إنّ العلم باللّه وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله وتدبيره من منتهى عرشه إلى تخوم الأرضين أقوى اللذّات والسعادات ، وأعلى الابتهاجات على من جاوز نقصان الفطرة والصبى ، وقصور الخليقة . وإنّ لذّة مطالعة جمال الحضرة الإلهية والنظر إلى أسرار الأمور الربّانيّة ألذّ من كلّ حكومة ورياسة ، ومن كلّ شهوة وانتقام .
ولا يمكن فهم هذه اللذّة لغير الحكماء الراسخين ؛ وغاية العبارة عنها أن يقال كما قال اللّه [ تعالى ] :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ 32 / 17 ]
« وانه أعد لهم ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . « 1 »
وهذا ممّا لا يعرفه الآن إلّا من ذاق اللذّتين جميعا - أي لذّة الرياسة - وهي فوق اللذّات الحيوانيّة - ولذّة المعرفة الإلهيّة . فإنّه لا محالة يؤثر التبتّل والتفرّد ، والفكر والذكر ، وينغمس في بحار المعرفة ؛ ويترك الرياسة ويستحقر الخلق الذي يرأسهم ، لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته ؛ وكونه مشوبا بالكدورات التي لا يتصوّر الخلوّ عنها ، وكونه مقطوعا بالموت الذي لا بدّ من إثباته مهما أخذت زخرفها وازّيّنت وظن أهلها إنّهم قادرون عليها .
فيشغله لذّة معرفة اللّه تعالى ومطالعة صفاته وأفعاله ونظام مملكته من أعلى عليّين إلى أسفل سافلين ، فإنّها خالية عن المتزاحمات والمكدّرات ، متّسعة للمتواردين عليها لا يضيق عنهم بكثرتها ، وإنّما عرضها من حيث التقدير السماوات والأرضين .
هامش
( 1 ) ابن ماجة : كتاب الزهد ، باب صفة الجنة : 2 / 1447 .