تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
مواضعه وأعدل بقاعه - كتجويف القلب وما يحويه - وكانت عاصية ظالمة فاعلة للأمور بمقتضى الطبيعة - لا بحكم قوّة إدراكيّة باطنيّة - ثمّ إذا فاضت عليها النفس الوهمانيّة بأمر اللّه ، قهرتها وسخّرتها وأبعدتها عن مقرّ الدماغ والقلب إلى أطراف البدن وأكنافه بحكم مدّ أديم البدن 114 ودحوة أرضه بالقوّة النامية ، فجعل مواضع الحواسّ الظاهرة أطراف البدن ، ومواضع القوى الشهوة والغضب المعدة والكبد والأنثيين والمرارة ونحوها . ثمّ جعل اللّه القوّة الناطقة المطيعة لأمر اللّه ، السميعة لأحكامه ، المسلمة له ولرسله وملائكته خليفة في أرض البدن ، وأمر جميع القوى المدركة بانقيادها وطاعتها وتسليمها والسجود لها والايتمار بأمرها والانتهاء بنهيها ، فأصبحت كلّها ساجدة مطيعة لأمر اللّه خاضعة له ، إلّا إبليس القوّة الوهميّة لغلبة ناريّة النفس على طبيعتها وقلّة نوريّة الإدراك العقلي على فطرتها . فصارت لشدّة إنا نيّتها الناريّة وقلّة نوريّتها العقليّة وعدم بصيرتها بحال الجوهر الإنساني المخمّر طينته عن التراب المشتعل نور فطرته في وادي القدس 115 عن نور ربّ الأرباب ، عاصية متمرّدة عن الطاعة ، زاعمة إنّ حقيقة الإنسان ليس إلّا هذا الجسد الأرضيّ الفاسد الذي إن أصابه حرّ ذاب ، وإن أصابه برد جمد ، وإن أنتبه لا يشعر ، وإن حرّك لا يحسّ بذاته ، وإن لم يطعم ذبل ، وإن أطعم امتلأ من الدم والنجاسات ، كأنّه مذبح مجصّص ظاهره ، مملوّ باطنه من القاذورات ، أو كقبر متحرّك في جوفه أنواع من المؤذيات والهوامّ كالحيّات والعقارب والديدان .

فصل [ الأسرار في خلق الإنسان ]

إنّ قولهم هذا يدلّ على معان مختلفة : منها إن اللّه أنطقهم بهذا القول ليتحقّق لنا إن هذه الصفات الذميمة في