وبقوله
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ 38 / 75 ] ليعلموا إنّ استحقاق تلك الخلافة ليس بكثرة الطاعة ، ولكن مالك الملك يؤتى الملك من يشاء .
ولمّا تفاخر الملائكة بطاعتهم على آدم من اللّه تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا إنّهم أهل الطاعة والخدمة ، وإنّه أهل الفضل والمنّة ؛ وأين أهل الخدمة من أهل المنّة ؟ ! فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ، ليعلموا إنّه مستغن عن طاعتهم وبمنّته على آدم صار مسجودا له ليعلموا إنّ الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء .
فصل آخر [ كان الملائكة سائلين ، لا معترضين ]
قوله :
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
استكشاف عمّا خفي عليهم وجه حكمته كأنهم قالوا : « إلهنا - أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه ، فما وجه الحكمة في جعل جوهر أرضي خليفة فيها وهو مصحوب لقوّة شهوية شأنها الشر والإفساد ولقوة غضبية شأنها الإهلاك وسفك الدماء ، فان النفس إذا انقادت لإحديهما سلكت بها مسلك الفساد والجور والظلم ؟
أو تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها مع وجود من هو بريء من الشرور والمفاسد بالكلية ، كطبقة الملائكة المعصومين عن المعاصي المسبحين بحمده والمقدسين له . وليس هذا باعتراض على اللّه في فعله ، أو طعن في بني آدم على وجه الغيبة أو تزكية لأنفسهم على وجه الافتخار والإزراء بغيرهم - حاشا ملائكة اللّه عن ذلك - وقد وصفهم اللّه بأنهم
عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
[ 21 / 26 - 27 ] .
وأمّا علمهم بما ذكروه وحكمهم بذلك على بني آدم فليس مما استنبطوه بالقياس - كما توهّم من أنهم قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث أسكنوا الأرض