طينتنا مودعة ، في جبلّتنا مركوزة ، فلا نأمن عن مكر أنفسنا الامّارة بالسوء ، ولا نعتمد عليها وما نبرئها كما قال تعالى عن قول يوسف عليه السّلام :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
[ 12 / 53 ] .
ومنها لنعلم إن كلّ عمل صالح نعمله ذلك بتوفيق اللّه تعالى إيّانا وفضله ورحمته ، وكلّ فساد وظلم نعمله هو من شؤم طينتنا وخاصيّة طبيعتنا ، كما قال تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
[ 4 / 79 ] وكلّ فساد لا يجري علينا ولا يصدر منّا ، فذلك من حفظ الحقّ وعصمته ورحمته ، لقوله تعالى :
إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
[ 12 / 53 ] .
ومنها لنعلم إن استعداد أمر عظيم فينا ، وفينا شأو جسيم ليس للملائكة به علم ، وهو سرّ الخلافة ، فلا نتغافل عن هذه السعادة ولا نتقاعد عن هذه السيادة ، ونسعى في طلبها حقّ السعاية .
ومنها لنعلم إنّ اللّه تعالى من فضله وكرمه قد قبلنا بالعبوديّة والخلافة ، وقال من حسن عنايته في حقّنا مع الملائكة المقرّبين
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
لكيلا نقنط من رحمته وننقطع من خدمته .
ومنها إنّ الملائكة
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
لأنّهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح فيها ، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الأربعة المضادّة صفات بشريّته البهيميّة والسبعيّة التي تتولّد من تركيب أضداد العناصر ، كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات بل عاينوها - فإنّها خلقت قبل آدم - فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحقّقوها وهذا لا يكون غيبا في حقّهم ، وإنّما يكون غيبا لنا ، لأنّنا ننظر بالحسّ ، والملكوت يكون لأهل الحسّ غيبا ، ومنّا من ينظر بالنظر الملكوتي ، فيشاهد الملائكة والملكوتيّات بالنظر الروحاني ، كما قال تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ 6 / 75 ] وقال :
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
.