قوله جل اسمه : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ]
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 )
هذه الآية من أعظم الدلائل على شرف الإنسان ، ومن أقوى الوسائل إلى معرفة الرحمن . أما دلالتها على شرفه فبوجهين :
أحدهما ما وجّهه المفسّرون ؛ وهو إنّها بيان لنعمة أخرى بعد النعمة الأولى مرتّبة عليها ، فإنّ الأولى كانت خلقهم أحياء قادرين مرّة بعد أخرى ، وهذه خلق ما يتوقّف عليه بقاؤهم النوعي بعد الشخصي ويتمّ به معاشهم المبتني عليه معادهم .
وما أحسن رعاية هذا الترتيب منه تعالى ، فإن الانتفاع بالأرض والسماء وما في كلّ منهما إنّما يكون بعد حصول الحياة ، فلهذا ذكر اللّه أمر الحياة أولا ، ثمّ أردفه بذكر الأرض والسماء .
وقوله
لَكُمْ
يدلّ على أنّ المذكور بعد قوله
خَلَقَ
لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا ، أمّا في الدنيا فلمصالح أبداننا ولنتقوّي على الطاعات ، وأمّا في الدين فللتفكّر فيها والتدبّر في آيات الأرض والسماء وعجائب فطرة اللّه فيهما ، فهذا دالّ على فضيلة الإنسان حيث خلق اللّه لأجل انتفاعه جميع ما في الأرض والسماء ، كما قال :
سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ 31 / 20 ] .