صدر عنه أولا وبالذات أو فعله المطلق ، فإنّ ما هو أحد هذين ، فالفاعل والغاية فيه ذاته الأحديّة الصمديّة ، وأمّا فعله الذي صدر بعد ذلك فهو معلّل بغرض ، وهكذا لكلّ فعل ذي غرض غرض ، حتى ينتهي الدواعي والاغراض والغايات إلى غاية لا غاية له ، وداع لا داعي له ، وهو ذاته الذي هو غاية الغايات ، ومنتهى الدواعي والرغبات .
فالتراب - مثلا - فعل من أفاعيله الصادر عنه باستخدام فاعل طبيعيّ يسمّى الطبيعة الأرضيّة ، وهي ملك من ملائكة التسخير يستخدمه فاعل فوقه يسمّى ملك الأرض ، وهو ملك من ملائكة التدبير ، وفوقه ملك آخر من ملائكة الإفاضة والتنوير اسمه قابض الأرواح ، وهو تحت اسمه تعالى « القابض » ولكلّ منها في فعله غاية فوقه ، حتّى ينتهي إلى اللّه تعالى .
وهذه الغايات والأغراض هي التي فوق الأكوان . وأمّا التي تكون تحت الأكوان ، فغاية التراب والغرض من خلقه أولا هو المركبات الأرضيّة كالمعدنيّة ، ثمّ البذور وقواها النباتيّة ، ثمّ النطف والأغذية ، ثمّ الأخلاط الدمويّة ، ثمّ الأمشاج والأعضاء اللحميّة ، ثمّ الأرواح البخاريّة ، ثمّ النفوس الحيوانيّة ، ثمّ الغرض منها الأرواح الانسيّة الصاعدة إلى الدرجات السماويّة ، والغرض منها معرفة اللّه والانقطاع عن العوالم بالكلّية والاتّصال إلى الحضرة الأحديّة .
فبهذا المعنى صحّ أن يقال إن لأفعاله تعالى أغراض عائدة إليه ، بشرط أن يدرك تحقيقه على وجه لا يؤدّي إلى انثلام قاعدة التوحيد والتنزيه ، بل يتحفّظ قاعدة « إنّ العالي لا ينفعل عن منفعله ، ولا يستكمل الفاعل من فعله » .
ومن لم يهتد إلى هذا التصوير ولم يتنوّر باطنه بهذا التنوير تكلّم في هذا « اللّام » والتي في قوله :
جَعَلَ لَكُمُ
[ 2 / 22 ] والتي في قوله :
لِتَهْتَدُوا
[ 6 / 97 ] وفي قوله
لِيَعْبُدُونِ
[ 51 / 56 ] ونظائرها الكثيرة في القرآن ، فقالوا « إنّه تعالى لمّا فعل لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض ، لا جرم أطلق اللّه تعالى لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة » .