أجمعين « 1 » - : « أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم ، والمبلية لأجسادكم ، وإنّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا ، فكأنّهم قد قطعوه ، وأمّوا « 2 » علما فكأنّهم قد بلغوه ، وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ، وطالب حثيث من الموت يحدوه في الدنيا حتى يفارقها ، فلا تنافسوا فإنّ عزّها إلى انقطاع ، ونعيمها إلى زوال ، وبؤسها إلى نفاد ، وكلّ مدّة فيها إلى انتهاء ، وكل حيّ فيها إلى فناء » .
وأمّا إنّه لا بدّ من الرجوع إلى اللّه تعالى فلأنّه يأمر بأن ينفخ في الصور
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
[ 39 / 68 ]
يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
[ 70 / 43 ] ثمّ يعرضون على اللّه كما قال :
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
[ 18 / 48 ] فيقومون خاشعين كما قال :
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ
[ 20 / 108 ] .
فقد ظهر وتبيّن إنّ للإنسان بعد أطوار الدنيا ومقاماتها مقامين اخرويين ، أحدهما عند الموت ، والآخر عند الرجوع .
أمّا المقام الأول فحال الإنسان فيه كما قال يحيى بن معاذ الرازي « 3 » : « إنّ أقاربي بحذافيري كأنّهم لا يعرفوني وكأنّي بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها ، وانصرف المشيّعون عن تشييعها ، وبكى غريب عليها لغربتها ، وناداها من شفير القبر ذو مودّتها ، ورحمها المعادي عند رجوعها ، ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها ، فما حيلتي ولا رجائي - إلهي - إلّا أن تقول : ملائكتي انظروا إلي فريد قد نأى عنه الأقربون ، ووحيد قد جفاه المحبّون ، أصبح مني قريبا وفي اللحد غريبا ، وكان لي في الدنيا محبّا ، وداعيا ، ولإحساني عند وصوله إلى هذا البيت راجيا ، فأحسن إليّ
هامش
( 1 ) راجع نهج البلاغة ( الخطبة : 97 ) ففيه إضافات على المنقولة هنا لم نتعرض عليها .
( 2 ) أمّوا : قصدوا .
( 3 ) في تفسير الفخر الرازي : « كما قال يحيى بن معاذ الرازي :يمرّ أقاربي بحذاء قبري * كأن أقاربي لا يعرفونيوقال أيضا : إلهي - كأني بنفسي وقد أضجعوها . . . » .