تقضّي الآجال لكونه دائم الاستحالة والدثور في الأحوال . وحمل الحياة الثانية على الروح الإنساني القابل للبقاء الأخروي المشار إليه بقوله :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ 23 / 14 ] .
فعلى هذا قد انكشف إنّ للإنسان استحالات من حالة إلى أخرى ، وإنّ في ذاته جوهرا سالكا بحسب الفطرة التي فطره اللّه عليها منتقلا من صورة إلى صورة ، ولكلّ صورة تصوّر بها غاية حقيقيّة انتقل إليها من تلك الصورة . وقد ثبت في العلوم الإلهيّة إن للأشياء الجوهريّة الفطريّة غايات يتوجّه إليها ، وتلك الغايات يجب أن تكون من جنس ذويها وأشرف منها .
فلا بدّ أن تكون للروح الإنساني غاية يتوجّه إليها بحسب ما أودع اللّه في جبلّتها ، ويجب أن تكون غايتها من جنسها وأشرف منها كما مرّ .
وهي لا تتحقّق إلّا في نشأة أخرى . وذلك لأنّ النفس الإنسانيّة آخر درجات هذا العالم الشهادي الحسّي ، وأول درجات العالم الغيبي الأخروي ، فكأنّها برزخ جامع بين العالمين ، حجاب حاجز بين الدارين ، وباب في سور مضروب به بين النشأتين ، فتمامها وغايتها لا بدّ وأن يحصل لها من الارتحال من هذه النشأة إلى أخرى ، فلها انسياق جبليّ من الدنيا إلى العقبى .
وإلى هذا الانسياق أشار بقوله :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
[ 50 / 21 ] أي سائق يسوقها إلى محشرها ، وشاهد يشهد عليها بعملها وفي الآخرة درجات متفاضلات ومنازل متفاوتات لمن هو أهلها .
ورابعها إنّها دالّة على وجوب الزهد في الدنيا لأنّه قال :
فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
فبيّن إنّه لا بدّ من الموت ، ثمّ إنّه لا يترك على هذا الموت بل لا بدّ من الرجوع إليه أما إنّه لا بدّ من الموت ، فقد أشار إليها في كثير من الآيات التي ذكر فيها بدايات خلقة الإنسان .
و
في كلام أمير المؤمنين وإمام الموحّدين - عليه السّلام منّا ومن الملائكة