فإذا أعرض الروح عن الجسم بالكلّية زال بزواله جميع القوى والحياة ، وهو المعبّر عنه بالموت ، كظلام الليل بمغيب الشمس .
وأمّا النوم فليس بإعراض كلّي ، وإنّما هي حجب أبخرة تحول بين القوى وبين مدركاته الحسيّة مع وجود الحياة في النائم ، كالشمس إذا حالت السجب بينها وبين موضع خاصّ من الأرض يكون الضوء موجودا كالحياة ، وإن لم يقع إدراك الشمس لذلك الموضع ، فكما إنّ الشمس إذا فارقت هذا الموضع من الأرض وجاء الليل بدلا منه ( ظ : منها ) ظهر في موضع آخر بنوره أضاء به ذلك الموضع كذلك الروح إذا أعرض عن هذا الجسم الذي كان حياته به تجلّى على صورة من الصور الذي هو البرزخ ، وهو بالصاد جمع « صورة » فحيّيت به تلك الصورة في البرزخ ، كما
قال النبي صلّى اللّه عليه وآله في نسمة المؤمن : « إنّه طير أخضر » « 1 »
فذلك الطير كالجسم هاهنا حيّيت بهذا الروح الذي كان يحيى به هذا الجسم ، وكما يطلع الشمس في اليوم الثاني علينا فيستنير الموجودات بنورها كذلك الروح يطلع في اليوم الآخر على هذه الأجسام الميتة فيحيى به ، فذلك هو البعث والنشر .
وثالثها إنّها دالّة على صحّة البعث مع التنبيه العقلي على صحّته ووجوبه جميعا .
أمّا الصحّة والإمكان فإنّ من قدر على الإحياء أولا قدر عليه ثانيا .
وأمّا الوجوب والحقيّة فإنّ من الناس من حمل الموتة الأولى على مادّة البدن كالعناصر والأغذية والأخلاط والنطف والمضغة - مخلّقة وغير مخلّقة - . وحمل الحياة الأولى على الأرواح الحيوانيّة التي بها السمع والبصر ، كما في قوله :
فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
[ 76 / 2 ] ويقع فيها الاشتراك بين الإنسان وسائر الحيوان وحمل الموتة الثانية على حامل القوّة الحيوانيّة الذي يعرض له الموت لا محالة عند
هامش
( 1 )
في ابن ماجة : كتاب الزهد باب 32 ص 1428 : « إنّما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة . . . »
راجع أيضا ما جاء في الكافي : 3 : 244 .