اعتقاده ، وأقرب إلى السلامة لاقتصاده ، بل هو مسلم معذور وليس بمفتون ممكور .
فالأشاعرة حيث نسبوا الأفعال إلى اللّه تعالى فقد أساؤوا الأدب وتجاسروا في حقّ الحقّ ، وما عرفوا حكمة الإيجاد وترتيب النظام وجهلوا علم التكليف ، فكيف أجابوا عمّن سئلهم من المكلّف الذي قيل له : « افعل » أو « لا تفعل » ؟ وبمن تعلّق الأمر والنهي ؟ وإلى من توجّهت الشريعة النبويّة ؟ فكانت الشريعة كلّها هباء وعبثا ، وغاية السعي والطاعة ضائعا وهذرا .
وليس متعلّق التكليف ما يسمّونه بالكسب ، إذ لا تأثير له عند من يقول به ، بل الذي يتعلّق به التكليف وينوط به الشريعة اقتدار لطيف من العبد مندرج في الاقتدار الإلهي كاندراج نور الكواكب والسراج في نور الشمس ، فيعلم بالدليل إنّ للكوكب نورا منبسطا على وجه الأرض ، لكن ما ندركه لسلطان نور الشمس كما يعطى الحسّ في أفعال العباد إنّ الفعل لهم حسّا وشرعا ، وإن الاقتدار الإلهي مندرج فيه يدركه العقل بالبرهان ، ولا يدركه الحسّ ، كاندارج نور الشمس في نور الكوكب - وهو عين نور الشمس والكوكب لها مجلى .
فالنور كلّه للشمس ، والحسّ يجعل النور للكوكب ، وعلى الحقيقية لا نور إلّا نور الشمس ، فاندرج نوره في نفسه ، إذ لم يكن ثمّة نور غيره ، والمرائي - وإن كان لها أثر - فليس ذلك من كونها نورا ، فالنور له أثر من كونه نورا بلا واسطة ، ويكون له أثر آخر في مرآة تجلّيه يحكم بخلاف حكمه من غير واسطة ؛ فنور الشمس إذا تجلّى في البدر يعطى من الحكم ما لا يعطيه منه بغير الواسطة ، ولا شكّ في ذلك .
وكذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلّى في العبيد فظهرت الأفعال على الخلق ، وهو وإن كان بالاقتدار الإلهي ولكن يختلف الحكم لأنّه بواسطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة بتجلّيه .
وكما ينسب النور الشمسي إلى البدر في الحسّ - والفعل لنور البدر وهو للشمس فكذلك ينسب الفعل إلى الخلق في الحسّ والفعل انما هو للّه في نفس الأمر ،
تفسير القرآن الكريم — صفحة 230
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٣٠