ولكم أعداء ثلاثة يشوّشون عليكم هذه الوجوه الحسنة ؟
أحدها : مسألة الداعي ، وهي إنّ القادر على العلم والجهل والاهتداء والضلال لم فعل أحدهما ولم يفعل الآخر ؟
وثانيها : مسألة العلم ، وهو إنّ خلاف ما علمه اللّه في الأزل محال ؛ فكما اعترفنا لكم بقوّة الذكاء وحسن الكلام فانصفوا أيضا واعترفوا بأنّه لا وجه لكم عن هذين الوجهين ، فإنّ التعامي والتغافل لا يليق بالعقلاء .
وثالثها : إنّ فعل العبد لو كان باختياره لما فعل إلّا الذي أحبّه وأراده ، لكن أحد لا يريد إلّا 7 تحصيل العلم والاهتداء ، ويحترز كل الاحتراز عن الجهل والضلال ، ثمّ حصل عنه خلاف ما قرّره .
فإن قيل : اشتبه عليه الكفر بالايمان ، والعلم بالجهل ، فلذلك فعل ما فعل .
قلنا : ظنّه في الجهل - إنّه علم - إن كان باختياره أولا ، فقد اختار الجهل والخطأ لنفسه ، وذلك غير ممكن ، وإن اشتبه عليه ذلك بسبب ظنّ آخر متقدم عليه لزم أن يكون قبل كلّ ظنّ ظنّ إلى لا نهاية - وهو محال .
إشراق نور قرآني طلع من أفق عالم رحماني [ كلام أهل التحقيق في القدر وأفعال العباد ]
اعلم يا حبيبي - أيّدك اللّه بنور تأييده وسدّدك بقوّة تسديده - إنّ الكلام من أهل الكلام قد بلغ إلى هذا المقام ، ولم يبق لأحد من الجانبين لهم من السهام إلّا ورماه إلى الآخر طلبا للافحام ، فتلاطم حينئذ أمواج بحري الجبر والقدر ، وانكسرت سفائن البحث والنظر ، وغرقت فيها أكثر العقول والأفهام وضاعت دون الفلاح بضاعة أفكار الأقوام ، ولم ينجح ولم يتنقح هذا المبحث لاحد من المناظرين ، ولم ينفتح هذا الباب المغلق بمفاتيح أنظار أولئك المتفكرين .
وذلك لأنّهم سلكوا في طلب المقاصد لا على مسالكها ، ودخلوا بيوتا علميّة