لم يأتوا من أبوابها ؛ فمسلك العلم واليقين ليس كمسالك الظنّ والتخمين ، وباب حقائق الايمان ومعارف القرآن ليس باب تحصيل البراعة في التكلّم والبيان ولا يفي بذلك الإحاطة بالمشهورات والمتداولات ، وحفظ ما يستحسنه جمهور الناس من المنقولات ، بل بالتجرّد والإخلاص وطول المهاجرة عن الخلق ، واليأس عمّا في أيديهم ، والخلوة مع اللّه بالذكر القلبي ، والفكر اللطيف ، ودوام الصحبة مع أنوار القرآن ، وكثرة التشوّق إلى عالم الملكوت ، والتماس الاطلاع على غرائب أسرار الايمان .
فإذا بقي الإنسان على مثل هذه الحالات فيوشك أن يأتيه أنوار متتالية عقليّة أشرقت على قلبه من سماء الملكوت 8 ، ولوامع متواردة طلعت عليه من أفق الجبروت فينكشف له بها جملة من خبايا حقائق أنوار الايمان - كثرت أو قلّت - واطّلع على طائفة من خفايا أسرار العلم والعرفان - نقصت أو كملت .
واعلم إن كلام أهل الحقيقة في هذا المقام بلغ منتهاه ، وأقدام أرباب البصيرة والكشف رسخت في مستقرّه ومرتقاه ، وكان نصيبهم فيه من الكأس الأوفى والقدح المعلّى ، فشربوا من برد عين اليقين ، وأفاضوا جرعه للعطاش السالكين .
فقالوا - كما وقعت الإشارة إليه : ان اللّه تعالى متجلّ للخلق بجميع صفات كماله وأسمائه ، ومفيض على عباده وعوالمه بكل نعوت جماله وجلاله ، فأول ما تجلى تجلى في ذاته لذاته فظهر من تجليه عالم أسمائه وصفاته 9 ، فهي أول حجب الأحديّة ؛ ثمّ تجلّى بها على عالم الجبروت ، فحصلت من تجلّيه أنوار عقليّة 10 وملائكة مهيميّة قدسيّة وهي سرادقات جبروته ؛ ثمّ تجلّى 11 من خلف حجب تلك الأنوار على عالم الملكوت الأعلى 12 والأسفل ، ثمّ على أشباحها الغيبيّة والمثاليّة ، ثمّ على عالم الطبيعية السماويّة والأرضيّة .
ولكل من هذه العوالم والحضرات منازل وطبقات متفاوتة وكلّما وقع النزول
تفسير القرآن الكريم — صفحة 228
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٢٨