تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
لكلام اللّه بقوله :
ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
أجاب عن ذلك بهذا القول . ويحتمل أن يكون بيانا للجملتين المصدّرتين ب « أمّا » وتسجيلا بأن العلم بكونه حقّا هدى وبيان ، والجهل به والإنكار لحسن مورده ضلال وإضلال وكثرة كلّ من الفريقين في أنفسهم لا تنافي وصف المهتدين بالقلّة بالقياس إلى أهل الضلال ، كما قال تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ 34 / 13 ] وربما قيل : « القليل من المهتدين عددا كثير في الشرف والفضيلة » فسمّوا بها ذهابا إلى الحقيقة ؛ وكثرة الضالّين من حيث العدد قلّة لهم في الحقيقة . عن ابن مسعود : « السواد الأعظم هو الواحد على الحقّ » فالمهتدون أكثر حقيقة لأنّهم على الحقّ ، والضالّون على الباطل ، فهم أقلّ حقيقة ، وإن كانوا أكثر عددا كما قيل « 1 » : قيل إذا عدوّا ، كثير إذا شدّوا . وقيل أيضا :
إنّ الكرام كثير في البلاد وإن * قلّوا ، كما غيرهم قلّ وإن كثروا
واعلم إنّ هذا كلام محقّق ومعنى مبرهن عليه ، إذ قد حقّق في مقامه بالبرهان وذهب إليه جمع من أهل الحكمة والعرفان : إن العقل الواحد بالفعل كلّ الموجودات التي دونه ، وإن الحقيقة النوعيّة الموجودة في عالم العقل مع وحدتها العقليّة تحيط بجميع الأعداد والجزئيّات التي دونها ، وإن النفس الناطقة على وحدتها وتجرّدها هي عين جميع قواها المدركة والمحرّكة على كثرتها وتخالفها وتفاوت مراتبها ونشآتها .
هامش
( 1 ) البيت من قصيدة للمتنبي ( ديوانه بشرح اليازجى : 204 ) والبيت فيه :ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا * قليل إذا عدوا كثير إذا اشتدّوا