واعلم إنّ قوام الروح الإنساني وإن كان بأصل الايمان ، لأنّ صورة ذاته إنّما تتحقّق بالعلم ، وبه يصير خارجا من القوّة إلى الفعل ، لكن العمل الصالح يخلصه من العوائق ، ويمحضه عن عذاب التعلّقات ، فلا بدّ للسعادة المطلقة من حصولهما جميعا ومن الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال : « كلّ من أتى بالايمان والأعمال الصالحة فله الجنّة » . فإذا قيل له : « فما قولك فيمن كفر بعد ذلك ؟ » . قال :
« هذا ممتنع - لأنّ فعل الايمان والطاعة يوجب استحقاق الثواب الدائم ، وفعل الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم ، والجمع بينهما محال » .
وذكر في بيان الاستحالة وجوها ثلاثة عقليّة ذكرها الإمام الرازي في تفسيره الكبير ، « 1 » ثمّ فرّع ذلك على فساد القول بالإحباط ، ثمّ أجاب الإمام الرازي فيه عن قوله بقولين :
« أحدهما قول من اعتبر الموافاة ، وهو إنّ شرط حصول الايمان أن لا يموت على الكفر ، فلو مات على الكفر علمنا إنّ ما أتى به أولا كان كفرا . قال : « إن هذا قول ظاهر السقوط » .
وثانيهما إن العبد لا يستحقّ على الطاعة ثوابا ، ولا على المعصية عقابا - استحقاقا عقليّا واجبا - وهو قول أهل السنّة والجماعة ، واختيارنا ، وبه يحصل الخلاص عن هذه الظلمات » « 2 » .
أقول : انظروا معاشر المسلمين - هل يفعل الصديق الجاهل بصديقه ما يفعله هو وأهل سنّته وجماعته بالكتاب والشريعة ! وليته هو وأصحابه سكتوا عما سكت عنه الصحابة والتابعون ، ولم يخوضوا في أعماق هذه المسائل الدينيّة واكتفوا بالتقليد حتى يسلموا عن هذه المضايق التي لا جولان لأمثالهم فيها ولا نجاة لأحد منها إلّا
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 345 .
( 2 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 346 .