قال الشيخ محيي الدين في الباب الحادي والستّين من الفتوحات المكيّة « 1 » في معرفة جهنّم وأعظم المخلوقات عذابا فيها : « اعلم عصمنا اللّه وايّاك - إن جهنّم من أعظم المخلوقات ، وهي سجن اللّه في الآخرة . . . وسمّيت جهنم لبعد قعرها ، يقال : « [ بئر ] جهنّام » إذا كانت بعيدة القعر ، وهي تحوي على حرور وزمهرير ، ففيها البرد على أقصى درجاته ، والحرور على أقصى درجاته ، وبين أعلاها وقعرها خمس وسبعون مائة من السنين .
واختلف الناس فيها وفي خلقها « هل خلقت بعد أم لم تخلق ؟ » والخلاف مشهور فيها وكذلك اختلفوا في الجنّة ، وأمّا عندنا وعند أصحابنا أهل الكشف والتعريف فهما مخلوقتان ، غير مخلوقيتين .
وأما قولنا : « مخلوقة » فكر جل أراد أن يبني دارا فأقام حيطانها كلّها الحاوية عليها خاصّة ، فيقال : « بنى دارا » فإذا دخلتها لم ير إلّا سورا على فضاء وساحة ، ثمّ بعد ذلك ينشئ بيوتها على أغراض الساكنين فيها من بيوت وغرف وسراديب ومهالك ومخازن وما ينبغي أن يكون فيها مما يريد الساكن أن يجعل فيها من الآلات التي تستعمل في عذاب الداخل فيها .
وهي دار حرورها هواء محرق « 2 » لا جمر لها سوى بني آدم والأحجار المتّخذة آلهة ، والجنّ لهبها ، قال تعالى :
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
[ 2 / 24 ] وقال :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
[ 21 / 98 ] وقال تعالى :
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ
[ 26 / 94 - 95 ] وتحدث فيها الآلات بحدوث أعمال الجنّ والإنس الذين يدخلونها .
وأوجدها اللّه بطالع الثور ، ولذلك كان خلقها في صورة الجاموس هذا الذي يعوّل عليه عندنا ، وبهذه الصورة رآها أبو الحكيم بن برجان « 3 » في كشفه ، وقد تمثّل
هامش
( 1 ) الفتوحات : 1 / 297 - وفيه اختلافات يسيرة .
( 2 ) المصدر : المحترق .
( 3 ) المصدر : أبو الحكم بن برجان .