وأمّا العلم بثبوت أحوالها عرفانا وكشفا فيحتاج إلى إحكام طريق المتابعة وتأكيد الإخلاص في اقتباس أنوار النبوّة من مشكاة القرآن والحديث بالعبوديّة التامّة والتدبّر في آيات السماوات والأرض وغاياتها ، وعواقب المكوّنات ونهاياتها ، والإطّلاع على أحوال النفس الإنسانيّة وتطوّراتها في الحالات ، وتقلّباتها في النشآت .
ثمّ إنّه تعالى ذكر مسألة المعاد في آيات لا تحصى لصعوبة فهمها على الأفهام ، وكثرة الشبه والشكوك الواردة فيها من الأوهام ، وذكر إثباتها على وجوه مختلفة :
فتارة ذكرها بعد حكاية إنكار المنكرين للحشر والنشر وحكم بأنّه واقع كائن من غير ذكر الدليل ، لجواز إثبات ما [ لا ] يتوقّف اثبات النبوّة عليه بالدليل النقلي والاعتقاد بهذه المسألة على وجه تكلّف به جمهور الخلق ، ويكفي لصحّة العمل من هذا القبيل ، فجاز إثباتها بالنقل .
مثاله ما حكم هاهنا بإثبات النار للكفّار والجنّة للأبرار ، وما أقام عليه دليلا ، بل اكتفى بالدعوى ، وإن كانت فيه إشارة لأهل الإستبصار إلى أنوار الهداية لأسباب وجود الجنّة والنار وكيفيّة نشؤهما في الآخرة من الأعمال والنيّات ، فإنّ « تعليق الحكم بالوصف مشعر بالسببيّة » .
فالبصير المحدق والعارف المحقّق يبصر ويعرف بنور بصيرته وعين عرفانه إنّ جحود الجاحدين للحقّ بعد وضوحه ، وريب المنكرين للقرآن عند سطوع نوره وإشراقه وايقادهم نار الفتنة والعداوة بحرقة في صدورهم وقساوة في قلوبهم يذهب بهم طريق الأشرار ، ويسلك بهم عن سبيل الأبرار . ويعذّبهم في الآخرة بعذاب الكفّار ، ويجعلهم بقلوبهم وجلودهم وقود النار التي كمنت فيهم أولّا في حياتهم الدنيا ثمّ قويت شيئا فشيئا بإذابة موادّ كبريت الشهوات وإضافة قوّة نار الحسد وضرام العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، فتبرز غاية البروز وتشتعل بهم غاية الاشتعال ،
تفسير القرآن الكريم — صفحة 161
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٦١