وعن الثاني بأنّ المطابق لما ارتسم فيه من حيث تصديقه وإذعانه صادق ، وتلك الكواذب - وإن كانت مرتسمة فيه - لكن لا بوجه التصديق بها والإذعان - بل بوجه الحفظ - فإنّ الحافظ لا يلزم أن يكون مذعنا بما يحفظه .
- لا لما قاله بعض الأفاضل : « إن الحافظ لا يجب أن يكون مدركا لما يحفظه » ومثّل ذلك بحافظة الإنسان وخياله حيث إن الخيال خزانة الصور وليس مدركا لها ، لأن حافظة الصور سواء كانت عقليّة أو حسيّة لا تنفك عن المدركة ، وإن كانت جهة الحفظ غير جهة القبول في بعض الأشياء ، الا ان الحافظ والمدرك لهما ذات واحدة .
بل لأنّ اللازم من انحفاظ صور الكواذب وسائر ما يوجد في هذا العالم من الشرور والآلام وغيرها تصوّر العقل الفعّال لها بوجه من وجوه التصور اللائق به ، أو لا ترى أنّهم ذهبوا إلى أنّ العلم بجميع الأشياء السفليّة حاصل للمراتب العالية ، وفيها صورة النقائص والشرور والآفات والأمراض والأوجاع والقبائح الموجودة هاهنا ، وهي مع ذلك بريئة منها بالكليّة ، لبرائة عالم الأمر عن الشرّ مطلقا .
فكما لا يلزم من تعقّل المرض والآفة والشرّ أن يكون العالم بها مريضا ، مأوفا ، شرّيرا ، فكذا لا يلزم من تعقّل الكذب أن يكون العالم به كاذبا ، لأنّ الكاذب هو المذعن بالكذب - لا المتصوّر له - فصورة الكذب في العقل ليست كذبا ، كما إنّ صورة الحركة والحرارة في العقل ليست حركة وحرارة ، فارتسام صور الكواذب في عالم الأمر يستلزم كونه عالما بها من حيث التصور على وجه عقليّ ، ولا يستلزم منه حصول التصديق بها والإذعان .
وعن الثالث بأنّ صدق الخبر وصحّة الحكم الذي في الجوهر العقلي المسمّى عندهم بالعقل الفعّال لا يكون لكونه مطابقا لما في نفس الأمر ، بل يكون لكونه عينه فيكون صدق الخبر أعمّ من كونه نفس الأمر ، أو مطابقا له ، ففي التعريف الذي ذكروه من المطابقة نوع مسامحة من باب عموم المجاز .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 145
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٤٥