منحرفا عن ذلك الطريق ، فعلى ما فسّرنا الهدى به ليس لأحد أن يقول : كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى قطّ ؟
لأن كل واحد من الناس في أول نشأته وحداثة وجوده على رأس الطريق منه إلى اللّه فهو على هدى بحسب الفكرة ، وإنما يقع الجور بحسب ما يكتسبه من الأفعال والاعتقادات . كما ورد في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه » .
المقدمة الثالثة : ان الربح والخسران ليسا بأمرين عارضين لغاية هذا السفر ، ممكني الانفكاك عن منازل هذه الحركة ، بل الوصول إلى كل منزل من منازل الآخرة يلزمه ما يخصّه من ربح أو خسران ، أو نعيم أو حرمان ، أو راحة أو عذاب بل الربح هاهنا بنفس الوصول إلى المنزل الأسنى والمقام الأعلى . وكذا الخسران بنفس الوصول إلى الهوى الأدنى .
سئل بعض أهل اللّه عن عذاب القبر ، فقال : القبر كلّه عذاب إشارة إلى أن العذاب عبارة عن الانحباس في مضيق البرازخ السفلية ، والتقيّد بقيود المؤذيات الحيوانية والتألّم بآلام العقارب والحيّات النفسانية ، كما أن النعيم والراحة بالخلاص عنها والفوز بالدرجات العاليات ، لأن ما فيها كلّه روح وريحان وجنة ورضوان ، وما في البرازخ السفلية كلّه آلام ومحن وموذيات وعقارب وحيات وسموم ونيران وحميم وزقّوم .
فإذا تقررت هذه المقدمات ، فنقول : قد حكى اللّه تعالى عن المنافقين والمغترين بلوامع سراب الدنيا من أهل الكتاب وغيرهم ، الذين تفقّهوا لغير الدين وعملوا بغير عمل أهل اليقين طلبا للحطام ومصيدة للعوام : بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى وباعوا الآخرة بالأولى والدرر الفاخرة بالثمن الأوكس الأدنى واستبدلوها به حيث إنهم أخلوا بالهدى الذي جعلهم اللّه في أصل الفطرة التي فطر الناس عليها محصّلين الضلالة التي ذهبوا إليها واختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى فجاروا عن القصد وفقدوا الاهتداء .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 446
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤٤٦