فصل
وأما قوله : وما كانوا مهتدين : فمعناه إن الذي يقصده التاجرون في أسفارهم ومتصرفاتهم أمران : سلامة رأس المال والربح ، وهؤلاء قد أضاعوا الأمرين وفاتوا المقصدين ، لأن رأس مالهم هو الفطرة الصافية عن المزاحمات واللوح الصافي النفساني والعقل الهيولاني فلما اعتقدوا هذه الآراء الخبيثة وانتقشت نفوسهم بهذه النقوش المزخرفة وانفعلت عقولهم عن هذه العقائد الباطلة . فخرجت فطرتهم عمّا كانت عليها وبطل استعدادها لتحصيل ما هو موجب حياتها في معادها وزينة ذاتها وسبب عيشها في الآخرة ، فهؤلاء مع أنهم لم يربحوا فقد خسروا وأفسدوا رأس مال العقل السليم المهتدي إلى طريق الحق والفوز بالنعيم فلهم الحسرة والعذاب الأليم .
وقال قتادة في معنى هذه الآية : انتقلوا من الهدى إلى الضلال ومن الطاعة إلى المعصية ، ومن الجماعة إلى الفرقة ومن الأمن إلى الخوف ومن السنّة إلى البدعة .
أقول : والكل صحيح لأنها من لوازم الخروج عن الفطرة الساذجة بالعقيدة الفاسدة في باب المبدإ والمعاد ، فإن بناء الحسنات والخيرات كلّها على معرفة الحق والسلوك بما يوجبه ، وبناء السيئات والشرور على الجهل به والحيد عن صراطه .