فحقنت الدماء وسكنت الفتن ، فكان فيه صلاح الأرض ، وأما إذا تركوا التمسّك بالشرائع وأقدم كلّ أحد على ما يهواه بطبعه لزم الهرج والمرج والاضطراب ويهيّج الحروب والفتن والفساد في الزروع والمواشي وانتفاء المنافع الدينيّة والدنيويّة ، ولذلك قال اللّه تعالى
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
[ 47 / 22 ] وقال
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
[ 2 / 205 ] نبّئهم اللّه تعالى على أنهم إذا أعرضوا عن الطاعة لم يحصلوا إلّا على الإفساد في الأرض به .
الثاني : أن يقال ذلك الفساد ، هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم لأنّهم لمّا مالوا إلى الكفّار مع أنّهم في الظاهر مؤمنون أو هم ذلك ضعف الرسول صلّى اللّه عليه وآله وضعف أنصاره ، وكان ذلك يجرء الكفار على عداوة الرسول صلّى اللّه عليه وآله ونصب الحرب لهم وطمعهم في الغلبة ، فلمّا كان صنيعهم ذلك مؤديّا إلى الفساد قيل لهم : لا تفسدوا . كما تقول للرجل لا تقتل نفسك ولا تلق نفسك في النار ، إذا أقدم إلى أمر هذه عاقبته .
الثالث : إنّ المنافقين كانوا يمايلون الكفّار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم ، وذلك مما يؤدّى إلى هيج الفتن بينهم وفيه فساد عظيم في الأرض .
الرابع : قال الأصمّ : كانوا يدعون في السرّ إلى تكذيبه وجحد الإسلام وإيقاع الشبه في قلوب الناس من ضعفاء العقول والايمان فيرتدّون على أعقابهم .
فصل
وقوله : قالوا إنّما نحن مصلحون ، كالمقابل لما ذكر وهو جواب ل « إذا » وردّ للقائل