قوله جل اسمه : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 12 ]
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 )
ردّ لما ادّعوه وإنكار لما صوّروه من الانتظام في جملة المصلحين بأبلغ ردّ وأشدّ إنكار وأدلّه على سخط عظيم ، حيث وقع الاستيناف والتصدير ( بألا ) و ( إنّ ) حرفي التأكيد والتحقيق ، وعرّف الخبر ووسّط الفصل مع الاستدراك بلا يشعرون ، فإنّ الأولى منهما مركّبة من حرفي الاستفهام والنفي لإفادة التحقيق كقوله
أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ
ولكونها في هذه المرتبة من التحقيق لا يكاد يقع الجملة بعدها إلّا مصدّرة بنحو ما يتلقّى به القسم وأختها « أما » التي هي من طلائع اليمين ومبادئ القسم ، والثانية هي المقرّرة للتنبيه والتحقيق .
تنبيه : [ الجهال المنتسبون إلى العلم ]
اعلم إنّ هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم اللّه كانوا من المنتسبين ظاهرا إلى العلم والصلاح مع وفور الجهل وقلّة الورع ورداءة الاعتقاد وسوء الخلق ، وعند أنفسهم لغاية الحمق والسفاهة إنّهم من أهل الصلاح والإصلاح لنفسهم ولغيرهم ونظائرهم موجودون في كلّ زمان مضادّون في أطوارهم وآرائهم لأهل الحقّ في كل أوان ، وأكثرهم من مجادلة أهل الكلام والمتعصّبة لمذاهب أخذوها تلقّفا وتقليدا من غير بصيرة .
وليس من الطوائف المنتسبة إلى العلم والأدب شرّ على العلماء المحقّين ولا أضرّ على الأنبياء الهادين ولا أشدّ عداوة للمؤمنين بالحقيقة ولا أفسد للعقول السليمة من كلام هؤلاء المجادلة وخصوماتهم وتعصّباتهم في الآراء والمذاهب .