المضرّة على أكله حتى يغلب عليه الخوف في ترك الاحتماء فيكون شدّة الخوف باعثا له على الاحتماء ، ووزانه من الدين الإصغاء إلى الآيات والأخبار المشتملة على الترغيب في التقوى والترهيب من ارتكاب الذنوب واتّباع الهوى والتصديق بما يلقى إلى سمعه من ذلك من غير شكّ وريبة حتّى ينبعث به الخوف المقوي على الصبر الذي هو الركن في العلاج .
والركن الآخر هو العلم بما ذكره الطبيب ، فإنّ الشفاء لا يحصل إلّا بالدواء ولا يقف على الدواء من لا يقف على الداء إذ لا معنى للدواء إلّا مناقضة أسباب الداء ، فكلّ داء حصل من سبب ، فدواؤه رفع ذلك السبب وحلّه وإبطاله ، ولا يبطل الشيء إلّا بضدّه والضدّان متساويان في المعرفة والجهالة ، فلا سبب للإصرار بالمعاصي إلا الجهل والغفلة والشهوة والهوى ، ولا يضادّ الغفلة إلّا العلم ، ولا يضادّ الهوى إلّا الصبر على قطع الأسباب المحركة للهوى ، والغفلة رأس الخطايا قال اللّه تعالى
أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ 16 / 109 ] .
فلا دواء إذن لأمراض القلوب إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر كما يجمع في السكنجبين بين حلاوة السكّر وحموضة الخلّ ويقصد بكلّ واحد منهما غرض آخر في العلاج بمجموعهما ينقمع الأسباب المهيّجة للصفراء فهكذا ينبغي أن يفهم علاج القلب عن مرضه فإنّه لا بدّ فيه أصلان : العلم والتقوى ، والقرآن كلّه في بيانهما كما لا يخفى على أهل البصيرة .
وقد مرّ إنّ فائدة الأعمال الشرعيّة كلّها وجوديّة كانت أو عدميّة ، تصفية القلب عن ما يكدّره ويمرضه ويحجبه عن مطالعة الحقّ والعلم باللّه وصفاته وأفعاله هي الغاية القصوى لوجود الإنسان وسائر الأكوان .