وإن نظرت إليه من حيث ما يراه في فراشه الخشن ومرضه وبؤسه وفقره وكلومه ، قلت :
إنّه في عذاب .
هكذا يكون أهل النار ، فلا يموت فيها ولا يحيى أي لا يستيقظ أبدا من نومته ، فتلك الرحمة التي يرحم اللّه بها أهل النار الذين هم أهلها وأمثالها كالمجرور منهم ينعّم بالزمهرير والمقرور منهم يجعل في الحرور .
وقد يكون عذابهم توهّم وقوع العذاب بهم وذلك كلّه بعد قوله
لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
ذلك زمان عذابهم وأخذهم بجرائمهم قبل أن يلحقهم الرحمة التي سبقت الغضب الإلهي ، فإذا اطّلع أهل الجنان في هذه الحالة على أهل النار رأوا منازلهم في النار ، وما أعدّ اللّه فيها ، وما هم عليه من قبح المنظر ، قالوا : معذّبون . وإذا كوشفوا على الحسن المعنوي الإلهي في حق ذلك المسمى قبحا ورأوا ما هم فيه من نومهم ، وعلموا أحوال أمزجتهم ، قالوا : منعّمون . فسبحان القادر على ما يشاء لا إله إلّا هو العزيز الحكيم فقد فهمت قول اللّه
لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
.
و
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : وأمّا أهل النار الذين هم أهلها فإنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون » انتهى .
وقال في الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة من الفتوحات المكيّة : « 2 » اعلم - أسعدنا اللّه وإيّاك بسعادة الأبد - إنّ النفس الناطقة سعيدة في الدنيا والآخرة ، لا حظّ لها في الشقاء لأنّها ليست من عالم الشقاء إلّا انّ اللّه ركبها هذا المركب البدني المعبّر عنه بالنفس الحيوانيّة فهي لها كالدّابة وهي كالراكب عليها ، وليس للنفس الناطقة في هذا المركب الحيواني إلّا المشي بها على الصراط المستقيم الذي عيّنه لها الحق ، فإن أجابت النفس الحيوانيّة لذلك فهي المركب الذلول المرتاض ، وإن أبت فهي الدابّة الجموح ، كلّما
هامش
( 1 ) ابن ماجة : كتاب الزهد ، باب الشفاعة : 2 / 1441 .
( 2 ) الفتوحات المكية : 3 / 262 .