بعض فهو كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف ، والبصر لا يوقفك إلّا على المحسوسات أقول : وفي هذا الوجه محل نظر وكأنّ مراد القائل ، إنّ الواسطة بين السمع والعقل أقلّ ممّا بين البصر والعقل . فإنّ العقل يفهم المعاني من النقوش والكتابة بواسطة دلالتهما على الألفاظ ودلالة الألفاظ على الصور العقليّة ويفهمهما من النقوش السمعيّة لدلالتها على الصور العقلية بلا واسطة ، وكأنّ الهواء بما فيها من صور الألفاظ صحيفة مكتوبة يدلّ على المعاني من غير توسط الألفاظ لأنّها نفس الألفاظ .
وقيل بأنّ البصر أقدم لأن آلة القوّة الباصرة أشرف ولهذا يقال لهما : كريمتان .
و
في الحديث : « من أحبّ كريمتاه لا يكتبن بالعصر »
ولأنّ متعلّق القوّة الباصرة هو النور ، ومتعلّق القوّة السامعة هو الريح .
أقول : ولأنّ البصر يعمّ إدراكه القريب والبعيد إلى فلك البروج ، والسمع لا يتعدّى إدراكه عن كرة البخار ولأنّ إدراك البصر دفعيّ وإدراك السمع زمانيّ تدريجيّ والأول أشرف لكونه يشبه إدراك العقل والثاني يشبه الحركة والاستحالة ، ومعلوم إنّ العقل أشرف من الحركة لأنّه أشرف الجواهر وهي أخسّ الأعراض والشبيه بالأشرف أشرف من الشبيه بالأخسّ فالبصر أشرف من السمع .
فصل فيه ذكر مشرقى [ السمع أشرف من البصر ]
لعلك كنت ناظرا فيما ذكرنا من قبل في المفاتيح الغيبيّة ، الفرق بين كلام اللّه وكتابه وانّ أحدهما لكونه من عالم الأمر والإبداع أشرف من الآخر لكونه من عالم الخلق والتقدير .
فاعلم إنّ للنفس الإنسانيّة المخلوقة على صورة الكمال وهي على بيّنة من ربّها كتابا وكلاما وهما يدلّان على كلام اللّه وكتابه يشهدان عليهما ، الكلام على الكلام والكتاب