على الكتاب وكل منهما غير صاحبه بوجه ، وعينه بوجه آخر كما مرّ بيانه .
فكلام الحقّ يدرك بالسمع الباطني وكتابه يدرك بالبصر الباطني .
وأمّا كلام النفس وكتابها ، فهما يدركان بهذا السمع وهذا البصر الحسّيين الظاهرين .
فإذا تقرّر هذا ظهر وجه كون السمع أقدم من البصر في الشرف والفضيلة ، ولهذا قدّم ذكره على ذكر البصر في القرآن كما مرّ .
وممّا يزيدك استيضاحا إنّ النفس الإنسانيّة متى استيقظت من نوم الجهالة وسنة الغفلة وتجاوزت حدود البهيميّة فأول ما أدركته هو العدد وبه صارت عادّة ماسحة ، والعدد والمساحة من الخواصّ الشاملة للنفس الناطقة لارتفاع الملائكة العقليّة عنها وانحطاط النفوس الحيوانيّة عن نيلها .
فالنفس الآدميّة هي العادّة الماسحة كما تقرّر عند القوم ، فهي في بداية أمرها عرفت مراتب العدد لتعلم بها مراتب الملكوت الباطنة ، ولكلّ مرتبة منها اسم يخصّه فتولّدت من مراتب العدد أساميها لكن بحكم أنّ الكلام إنّما يتأتّى من جهة السمع ، فالحروف والأصوات صارت محصّلة لتلك الأسامى تحصيل البسيط للمركب ، فكما إنّ الأسامي المركّبة دالّة على أشخاص وأعداد مركّبة سواء كان في عالم الحسّ كزيد وعمرو أو في عالم العقل كالمعقول من الإنسان والفرس والياقوت والعسل وغيرها ، فكذا الحروف المبسوطة دالة على أعداد بسيطة كالعقل والنفس والطبيعة والهيولى .
وأسبق الحروف هي حروف المدّ سيّما الألف فلذلك صارت حرف أول الموجودات البسيطة الذوات ، ثمّ يحصل المركّبات من هذه البسائط كما يتألّف الأسامى من الحروف الوحدان وأسامي المفردات وأرقامها من أرقام المفردات بتركيب مفردات كلّ من هذه العوالم العقليّة العدديّة والسمعيّة اللفظيّة والحسيّة الرقميّة .
فالأعداد دلائل على عالم العقل ، والحروف بأصواتها دلائل على عالم المثال
تفسير القرآن الكريم — صفحة 359
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٥٩