والقبائح والطاعات والمعاصي وبالجملة الخيرات والشرور كلّها مقدّرة مكتوبة علينا قبل صدورها منّا ، معجونة فينا ، مربوطة بأوقاتنا التي تصدر فيها عنّا ، فما بالنا لا نتساوي فيها ولا نتعادل ؟ ولم لا نتشاكل فيها ونتماثل ؟ وكيف نحترز عمّا يجب الاحتراز عنها فننجو من وبالها وتبعاتها ؟ وبأيّ شيء يتفضّل السعيد على الشقيّ وقد تساويا فيما قدّر لهما ؟ وأين عدل اللّه فينا وقد قال اللّه تعالى :
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ 50 / 29 ] .
فنجيبك أيّها القدريّ بما قد مرّ ذكره « 1 » في تفسير قوله تعالى : اهدنا الصّراط المستقيم من أنّ الاستعدادات مختلفة والصور النوعيّة الفائضة عليها من جهة الوسائط العقليّة الّتي مظاهر الأسماء الإلهيّة متنوّعة ، فالأرواح الإنسيّة بحسب الفطرة الأولى متباينة وفي درجات القرب والبعد من اللّه تعالى متفاوتة ، وفي مراتب الصفاء والنوريّة والكدورة والظلمة متخالفة .
والموادّ السفليّة التي هي بإزائها أيضا متفاوتة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي ، فقابليّتها لما يتعلّق بها من الأرواح ، متباينة وقد قدّر اللّه بإزاء كلّ روح فيضها في قضائه ، ما يناسبها من الموادّ ، وحصل من مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم والإدراكات دون بعض موافق لبعض الأعمال والصناعات دون بعض على ما قدّر لها في العناية الأولى والقضاء السابق كما
قال « 2 » : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة »
وتتفاوت العقول والإدراكات والأشواق والإرادات بحسب اختلاف الطبائع والغرائز فينزع بعضهم بطبعه إلى ما ينفر عنه الآخر ويستحسن أحدهما بهواه ، ما يستقبحه الثاني . والعناية الإلهيّة تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن .
وأما كيف السبيل إلى الاحتراز عمّا يجب الاحتراز عنه ، فإنّ شريف النفس ، نجيب الجوهر ، طيّب الأصل ، قلّما يهمّ بشيء ممّا ليس في فطرته ولم يقدّر له من
هامش
( 1 ) راجع ص : 117 .
( 2 ) المسند : 2 / 539 .