وما قدّر لنا من معايشنا أو هيّء لنا في آخرتنا ، أو لما يصرفه اللّه عنّا من المكاره ويدفع عنّا من المضارّ والمفاسد لم يحصل ذلك إلّا بها ، وكانت تلك الوسائط أيضا مقدّرة لنا واجبة باختيارنا كما
قال عليه وآله السلام لمن سأله : « 1 » هل يغنى الدواء والرقية من قدر اللّه ؟
قال : الدواء والرقية أيضا من قدر اللّه .
ولما
قال عليه السلام « 2 » : جفّ القلم بما هو كائن ، قيل : ففيم العمل ؟ فقال : اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق .
ولما سئل : « 3 » أنحن في أمر فرغ منه ؟ قال : في أمر مفروغ منه وفي أمر مستأنف . ومن هذا علم إنّ كل ما يصدر عنّا من الحركات والسكنات والحسنات والسيّئات محفوظة مكتوبة علينا واجب صدوره عنّا مع كونها باختيارنا كما قال
كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ
[ 54 / 52 ] وغير ذلك من الآيات التي نقلناها .
فهذه معرّفات لسعادتنا وشقاوتنا في العقبى ليست بموجبات . وكذلك ما يصل إلينا من الرغائب والمكاره كما
قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله « 4 » : واعلم إنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه اللّه لك ، ولو اجتمعت على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلّا بشيء كتبه اللّه عليك . رفعت الأقلام وجفّت الصحف .
تحقيق حكمي [ لا جبر ولا تفويض ]
وإذا ثبت وتحقّق انّ جميع الممكنات وسلسلة الأسباب التي من جملتها قدرة
هامش
( 1 ) ابن ماجة : كتاب الطب ، الباب 1 : 2 / 1137 : الترمذي : كتاب القدر ، باب 12 .
( 2 ) راجع ص 331 .
( 3 ) جاء الحديث بألفاظ مختلفة راجع المعجم المفهرس ( 5 / 122 ) .
( 4 ) الترمذي : صفة القيامة ، باب 59 : 4 / 667 .