العبد وإرادته وعلمه وشوقه ومشيئته مستنده إلى مشيئة اللّه وعلمه ، مثبتة في قضائه وقدره ، وإنّ من الأسباب القريبة الظاهرة لأفاعيلنا إنّما هي قدرتنا وإرادتنا فمن نظر إليها قاصرا نظره إلى هذه الأسباب القريبة ، قال بالقدر والتفويض ، أي واقعة بتقديرنا مفوّضة إلى تدبيرنا .
قال النبي « 1 » صلّى اللّه عليه وآله : « القدريّة مجوس هذه الامّة »
لأنّهم يثبتون مبدئين كالمجوس القائلين بيزدان ، وأهرمن .
ومن نظر إلى السبب الأوّل وعلم كون تلك الأسباب والوسائط بأسرها مستندة على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل والمعلولات إلى اللّه استنادا واجبا وترتيبا معلوما على وفق القضاء والقدر وقطع النظر عن الأسباب القريبة مطلقا ، قال بالجبر وخلق الأفعال ، ولم يفرّق بينها وبين أفعال الجمادات .
وكلاهما أعور لا يبصر بإحدى عينيه . أما القدريّة فبالعين اليمنى - أي النظر الأقوى الذي به يدرك الحقائق - وأما الجبريّة فباليسرى - أي الأضعف الذي به يدرك الظواهر - فأما من نظر حقّ النظر فأصاب ، فقلبه ذو عينين يبصر الحقّ باليمنى فيضيف الأفعال إليه خيرها وشرّها ويبصر الخلق باليسرى فيثبت تأثيرهم في الأفعال به سبحانه لا بالاستقلال ولا بمعنى الاشتراك كما توهّم بل بمعنى آخر يعلمه العارف الحكيم
وأشار إليه الصادق عليه السلام « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين »
فيذهب إليه ويتذهّب به وذلك هو الفضل الكبير .
روى صاحب الكافي « 2 » رحمه اللّه عن عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن ، [ عن غير واحد ] عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السلام قالا : إنّ اللّه أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذبهم عليها ، واللّه أعزّ من أن يريد أمرا فلا يكون .
هامش
( 1 ) مضى آنفا .
( 2 ) الكافي : كتاب التوحيد ، باب الجبر والقدر . . . : 1 / 160 .